سياسة

رسالة إلى جسدي…ومعركتنا لاتزال مستمرة

نقطة
6 0

عرفتُ في حياتي ثلاثَ عملياتٍ جراحية.
وفي كلّ مرة، كان الجسدُ يهبط بي إلى تخوم العجز، ثم ينهض بي من جديد، كأنّ الله يمنحني فرصةً أخرى لأتأمّل المعنى، لا الألم فقط. كانت المحنةُ دائماً باباً، لا جداراً. والجسد، رغم هشاشته، بدا لي رافعةً إلى ما هو أبعد منه؛ إلى ذلك العالم الذي لا يتجلّى إلا عبر تحوّلات اللحم والوجع والندبة.
كنتُ قريباً من عالم الروح، أرى في الجسد وسيطاً لا غاية، أداة عبور لا مقام إقامة.
في عام 1996، أُدخلتُ على جناح السرعة إلى مستشفى في سيدي بلعباس.
كنتُ يومها في بيت والديّ، والبلاد تعيش واحدة من أحلك فصولها. الحرب الدموية في ذروتها؛ إرهاب، مواجهات، تفجيرات استعراضية، ورعبٌ يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وسط ذلك الخراب العام، انهار جسدي بانسدادٍ معويّ خطير. أُجريت لي العملية الأولى.
بعدها، كشفت التحاليل عن إصابتي بداء كرون؛ مرضٌ مزمن، غامض، لا يمنح شفاءً نهائياً، بل هدنةً مؤقتة مع الألم.
#كانت
تلك أول مواجهة جدّية بيني وبين هشاشة الجسد.
في عام 2016، تكرّر المشهد.
أُدخلتُ مستشفى مصطفى باشا للسبب نفسه. عملية خطيرة، ونجاةٌ بأعجوبة.
أذكر أنّ طبيبة التخدير سألتني، قبل أن تغيب الأشياء في العتمة البيضاء:
— إلى أي بلد تتمنى أن ترحل؟ أمريكا؟ السويد؟ كندا؟
ابتسمتُ وقلت:
— البرزخ.
ثم أتبعتُها:
— لكنني سأعود.
قلتُها بيقينٍ غريب، وأنا أعلم أن امرأةً كانت بجانبي في قاعة الانتظار قد فارقت الحياة بسكتة قلبية قبل قليل. كانت تموت أمامي، وصوتي يتلاشى وأنا أستغيث لإنقاذها. كنتُ أتألّم، عاجزاً عن الحركة، وأشهدُ انسحاب الحياة من جسدٍ آخر.
هناك، فهمتُ أن الموت ليس فكرةً فلسفية. إنّه حدثٌ قريب، ملموس، يمرّ بمحاذاتك، وقد يختارك أو يتركك.
في فبراير 2026، واجهتُ العملية الثالثة.
#كانت
أقلّ خطراً من سابقتيها، لكن ما أثارني هو تكرار الرقم 6:
1996، 2016، 2026.
أهي صدفة؟
أم أن للعالم منطقاً خفياً لا نراه؟
هل للأرقام ذاكرة؟ أم أننا نحن الذين نبحث عن المعنى في انتظام المصادفات؟
ما الذي يخفيه الجسد حين يجرّنا إلى تلك المنطقة المحرّمة، حيث يسكن الصمت؟
ذلك الصمت الثقيل الذي يلوّح بالأبدية من كل الجهات.
هل نحن الأشخاص أنفسهم قبل العملية وأثناءها وبعدها؟
عندما يتسلّل المخدّر في العروق، كدبيب نملٍ دافئ، ينتشر في الجسد، يغزوه دفءٌ ثم برودة، ثم لا إحساس…
هل تظلّ الذات هي ذاتها حين تُعلّق مؤقتاً بين الوعي والغياب؟
ما علاقة المرض بشبح الغياب؟
ما علاقة الكلمات الهشّة بخفّة الجسد حين يفقد وزنه الرمزي؟
ما علاقة الحبّ بالموت؟
ولماذا نستعيد الآخر بقوّة عندما نشعر بأننا قد نفقده فجأة؟
ربما لأن المرض يعرّي الأولويات.
#يجعلنا
نرى الحبّ لا كترفٍ عاطفي، بل كضرورة وجودية.
أكثرنا يخشى المشفى، لا لأنّه مكان علاج، بل لأنّه مرآة.
فيه نرى القوة وهي تنهار، والعجز في عرائه.
فيه نفكّر في هشاشة المنظومة الصحية، في السياسة، في الإدارة، في البيروقراطية، في الإهمال، في ذلك التشابك المعقّد بين الجسد الفردي والجسد الجماعي.
المشفى ليس فقط فضاءً طبياً؛ إنّه مختبر أخلاقي.
يكشف ما إذا كانت المنظومة تُدار بعقلٍ إنساني أم بروتينٍ بارد.
هناك أطباء موهوبون، إرادات فردية تستحقّ الإعجاب.
لكن هل تكفي البطولة الفردية لإنقاذ منظومةٍ مريضة؟
أهو خللٌ سياسي؟ إداري؟ ثقافي؟ أم أخلاقي قبل كل شيء؟
ثم تأتي لحظة العودة إلى البيت.
البيت ليس جدراناً، بل استعادة الإيقاع.
استعادة الكرسيّ الذي تعرفه، والنافذة التي تحفظ الضوء، والصمت الذي لا يخيف.
في المرض نكتشف الإنسان العميق فينا وفي الآخرين.
تتحرّك غريزة التعاطف، يتقدّم الحبّ إلى الواجهة، ويتراجع كلّ ما عداه.
كأنّ الخطر يذكّرنا بما هو جوهري.
النقاهة ليست استراحة جسدية فقط.
إنّها إعادة ترتيب للمعنى.
مراجعة هادئة لما ظننّاه ثابتاً.
وتعلّمٌ جديد لكيفية النظر إلى الروح، لا كفكرةٍ مجرّدة، بل كطاقة مقاومة.
كلّ عمليةٍ جراحية كانت جرحاً…
وكانت في الوقت ذاته نافذة.
والآن، وأنا أكتب من سرير النقاهة، أدرك أن الجسد، مهما تمرّد، لا يفعل ذلك إلا ليعيدنا إلى السؤال الأول:
كيف نعيش…
وكيف نمنح هذا العبور معنى؟

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *