بقلم : نجم الدين سيدي عثمان
في واحدة من أكثر الدراسات إزعاجًا في علم السلوك الإج-ـرامي، عُرضت مقاطع فيديو لأشخاص عاديين يسيرون في الشارع على مجموعة من 24 مجرمما ذوي خبرة، مُدانين بالاعتداء.
لم تُعطَ لهم أي معلومات: لا أسماء، لا مهن، ولا تفاصيل؛ فقط طريقة من خلال المشي.
المفاجأة كانت في اتفاقهم بنسبة عالية على اختيار الشخص نفسه تقريبًا باعتباره هدفًا من بين 60 آخرين كانوا في الشارع.
الملاحظ أنه لم يكن الأضعف جسديًا أو عضليًا مقارنة بالجميع؛ لكن المج!رمين ذوي الخبرة نجحوا خلال ثوانٍ قليلة في التعرّف على الأكثر قابلية للاستهداف من بين كل من بين الحّشد… والسبب حركاته:
👈 الرأس المنخفض، التردّد في الخطوات، عدم الاتزان، ضعف المسح البصري للمكان، السير وكأنه منفصل عمّا حوله…
كلها “لغة”، وبعض العيون بارعة في التقاطها فورًا، فتفهمها مباشرة على أنها غياب احتياط، عدم تهيؤ، قابلية للاختراق، مقابل قدرة محدودة على المواجهة.
🔹 وقبل أن أكمل، دعني أسألك بشكل مباغت:
لماذا يُطلب منك المال دائمًا “سُلفة”، ويتكرر الأمر كثيرا، بينما لا يطلب الآخرون من أشخاص قد يكونون أفضل منك ماديًا؟ ولماذا لا يعود إليك المال الذي أقرضته من قبل؟
لماذا أنت الذي يُستدعى كل مرة لتغطية غياب زميل، أو لإنهاء عمل ليس من مهامك، أو لتحمّل خطأ جماعي؟ لماذا تتعرّض للضغط أكثر، وتُرقّع أخطاء الآخرين مع أنك لست مسؤولًا عنها؟
لماذا تتسامح فيما يتعلق بحقوقك؟ ولماذا يُنتظر منك دائمًا أن تُضحي أكثر من الآخرين في العائلة؟
في كثير من الأحيان، ليس لأنك أضعف من غيرك، بل لأن سلوكك – غالبًا دون قصد – منح الضوء الأخضر للآخرين…قد تسألني: كيف؟
موافقتك المستمرة، اعتذاراتك الزائدة، تبريراتك الدائمة، خوفك من الرفض، صمتك حين يجب الاعتراض، غياب الحزم، واستعدادك السّريع للتنازل كي تبقى “الرجل الطيب” في القصة… حتى قيمك التي تؤمن بها.
👈وهنا قد تسأل: وما علاقة هذه الأمثلة بالتجربة التي وردت في بداية المنشور؟
العلاقة أوضح مما تتخيّل.
هذه كلها إشارات سلوكية تُرسلها يوميًا: بصوتك، بطريقة كلامك، بردود فعلك، وبصمتك. ولا تختلف في جوهرها عن إشارات الجسد التي يُرسلها شخص في الشارع.
الفرق الوحيد هو نوع “المُتصيِّد”.
فنحن لا نتحدث هنا عن مجرمين، بل عن مدير انتهازي يقرأ فيك القابلية، أو صديق يستهلكك لأنه اعتاد أنك لا ترفض، أو زميل يُلقي أخطاءه عليك لأنه يعرف أنك ستصمت، أو قريب لا يحترم حدودك لأنك لم تُثبّتها يومًا.
والخلاصة:
ليس كل من يستنزفك شريرًا بالضرورة، لكن كل ما في الأمر أنه قرأ فيك قابلية للاختراق، تمامًا كما قرأها المحترفون في التجربة العلمية حين اتفقوا على الهدف نفسه.
🔹 والخلاصة:
ليس كل من يستنزفك شريرًا بالضرورة؛ أحيانًا كل ما في الأمر أنه قرأ فيك قابلية للاختراق، تمامًا كما فعل المحترفون في التجربة العلمية حين اتفقوا على الهدف نفسه.
في النهاية، الناس – بوعي أو من دون وعي– يختبرون الحدود، وحين لا يرون حدودًا واضحة، يتقدّمون خطوة، ثم أخرى، أمّا حين يواجهون شخصًا يُحصّن حدوده جيدًا، فهم غالبًا لا يجرؤون أصلًا على الاقتراب منه، لأن رسالته وصلت وفُهمت قبل أن يقول كلمة واحدة😉
👈ومن المهم التوضيح حتى لا يُساء فهم المنشور:
ليس المقصود أن يتوقّف الإنسان عن كونه خدومًا أو عن إعانة الآخرين، كن كريمًا، متصدّقًا، حاضرًا عند الحاجة، لكن افعل ذلك بوعي وقرار، وبرغبة حقيقية نابعة من اختيار، لا وأنت مُجبَر أو مُحرَج أو خائف من الرفض حتى تُستنزف.
الإنسان الخدوم، حين يختار العّطاء عن وعي، يكون أقلّ عرضة لأن يكون الضحية في القصة؛
لأنه يُعطي من موقع قوة، لا من موقع خوف……ومن موقع قرار، لا من موقع اضطرار، هذا ما يسمى “الكرم الواعي” علميا يزيد سعادتك 25-40%، ويقلل الاستنزاف 22%… لست من يقول هذا الكلام، إنها أبحاث مارتن سيليغمان على 100 ألف شخص لسنوات.
وتذكّر:
إن وصلت يومًا إلى قول “لا” بثقة، دون شعور بالذنب، وأنت هادئ وتبتسم، فقد نجحت.
لا تخف من تقديم نفسك وتسبيقها على الآخرين؛ فبعض القِّيم التي تربّينا عليها لم تكن خاطئة في أصلها، لكنها – بسوء فهمنا – جعلتنا ضحايا باسم الأخلاق.
لا تفعل ما لست مقتنعًا به؛ وقبل أن تكون مصدر طاقة للآخرين، تأكّد أنك لم تُفرغ بطاريتك.
كن طيبًا، خدومًا، ودودًا – أنصحك بذلك – لكن لا تكن مغفّلًا.