أثارت زيارة المؤثر الأمريكي الشهير “سبيد” (Speed) للجزائر،و يغيب عن كثيرين السياق الحقيقي لهذه الزيارة وأبعادها الاستراتيجية. فالأمر يتجاوز كونه مجرد زيارة سياحية عابرة، ويدخل في إطار رهان الجزائر على تحسين صورتها الخارجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، خاصة لدى الجمهور الأمريكي
جاء سبيد إلى الجزائر ضمن جولة أفريقية واسعة أعلن عنها منذ أشهر، تشمل عشرين دولة أفريقية. هذا يعني أن الزيارة تمت بمبادرة شخصية من المؤثر الأمريكي، دون دعوة رسمية من السلطات الجزائرية أو أي طرف محلي . وهنا يُطرح السؤال: هل كان على الجزائر رفض طلب الزيارة؟
الإجابة المنطقية تقول: لا. رفض استقبال مؤثر عالمي بهذا الحجم كان سيُفسَّر على أنه انغلاق وعزلة، تلك الصورة النمطية التي تحاول الجزائر جاهدة محوها عن نفسها في المحافل الدولية. استقبال سبيد كان خطوة منطقية ومدروسة، خاصة أن الزيارة تمت على نفقته الخاصة الكاملة، في الوقت الذي تدفع فيه دول كثيرة أموالاً طائلة لجذب مؤثرين من حجمه للترويج لها.
يرى البعض أن الزيارة لن تُحدث فرقاً في جلب السياح إلى الجزائر، وهذا تقييم سطحي للأمر. الهدف الحقيقي يكمن في تحسين صورة الجزائر لدى الجمهور الأمريكي والعالمي الذي يعرف القليل جداً عن البلاد. ملايين المتابعين شاهدوا الجزائر عبر عدسة سبيد، وتعرفوا على ثقافتها وشوارعها وناسها، وهذا استثمار طويل الأمد في السمعة الدولية للبلاد.
حجم التفاعل الذي حظي به محتوى سبيد عن الجزائر كان ضخماً، ما يؤكد نجاح الرهان. الأهم من ذلك أن زيارته التالية كانت للمغرب، حيث وصل إليها وهو لا يزال متأثراً بتجربته الجزائرية. قدّم له المغاربة برنامجاً مشابهاً تقريباً لما عاشه في الجزائر، ما يضع الأخيرة في موقع السبق والريادة، بوصفها النموذج الذي حاول الجار تقليده.
أثارت واقعة المضايقات التي تعرض لها سبيد في أحد الملاعب الجزائرية جدلاً واسعاً، واعتبرها البعض فشلاً للزيارة. لكن الحقيقة مختلفة تماماً. سبيد نفسه تعامل مع الموقف بروح المغامر الذي يعتاد على مثل هذه المواقف في رحلاته حول العالم. الدليل الأكبر على ذلك أنه رفض في المغرب محاولات استغلال الواقعة للنيل من الجزائر، ورد على شخص سأله عما إذا كانت الجزائر تستحق الزيارة بقوله: “نعم، يجب أن تزور الجزائر”.
