حدث سوء فهم بيني وبين أحد الأصدقاء.
لا أعرف بالضبط من أخطأ: ربما أنا، وربما هو، وربما لم يخطئ أحد منا؛ فهذه الأشياء تحدث عادةً في أي تواصل إنساني، ولا أحد معصوم منها.
ثم اضطرّني الأمر إلى الاتصال به في مسألة لا تقبل التأجيل وتهمّنا معًا. والحقيقة أنني توقعت برودًا، وتوقعت أن يحدثني من منطق «دفتر حسابات مؤجَّل بيننا». لكن ذلك لم يحدث.
كان يتكلم بشكل طبيعي، تمامًا كما كان دائمًا. هذا النوع من الناس، مهما طالت فترة الفجوة والغياب، تكتشف أنه، في الغالب، لا يتغير…أقصد: لا يغيّر طينته.
🔸والآن إليك النوع الآخر.
أشخاص لم يحدث بينك وبينهم أي خلاف إطلاقًا: لا شجار، ولا سوء فهم، ولا كلمة زائدة.
كل ما في الأمر أن الاتصال انقطع أو قل، وهذا ما تفرضه علينا التزامات ومسؤوليات الحياة، إذ تُبعد الناس عن بعضهم في سباقهم اليومي؛ فالكل مشغول.
لكن المدهش أن بعض هؤلاء، وقد يكونون أقرباء، أو جيرانًا، أو زملاء سابقين، ينقلبون فجأة. يتغير سلوكهم؛ فمنهم من يصبح باردًا، ثم متحفظًا، ثم قد يمضي إلى العداء الصريح… يقاطعك، وربما يتكلم عنك في غيابك بالسوء، وهذا أعلم أنه يتكرر مع كثيرين.
وهنا يظهر الفرق من خلال هذه القاعدة الذهبية التي اكتشفتها وأشاركها معكم:
👈الصديق الحقيقي يُختبر في الخلاف، أمّا الشخص الظرفي فينكشف في الغياب.
لكن، لماذا يتغيرون بهذا الشكل؟
لأن العلاقات، في جوهرها، مبنية على التوقعات، وعلى توازنات خفية.
طالما بقيت في مكانك، بقي الآخر مطمئنًا لك.
وطالما لم تتغير، لن يشعر بالتهديد.
لكن حين تتحسن…
حين تتقدم…
حين تقلّ حاجتك إلى الآخرين…
يختلّ الميزان.
هناك من لا يحتمل أن يفقد أهميته في حياتك، وهناك من لا يحتمل أن يراك تكبر خارج دائرته؛ فسيتحضر ما أسميه «الغياب العدائي».
إذ يعاملك بما في داخله من إحباط، ويحوّل هشاشته إلى تهم جاهزة:
«لقد تغيّر».
«أصبح متكبرًا».
بينما الحقيقة قد تكون أبسط:
أنت فقط لم تعد كما كنت.
أنت تقدمت.
أنت تحسّنت.
أنت تغيّرت للأفضل.
وهذا ما لا يرضي الجميع.
وفي المقابل، نحن أيضًا لسنا أبرياء دائمًا.
فسوء تأويل غياب الآخرين، وغياب الأعذار، يجعل الإنسان يختلق مشكلة لم تكن موجودة أصلًا، نبدأ في الاعتقاد أن الصمت موقف، وأن الغياب إهانة لنا، وأن التغيّر عداء. فنقاطع نحن، وننسحب نحن، ونخلق مشكلة من فراغ، ثم نتصرف على أساسها، وهنا يصبح المشكل فينا.
🔸في اعتقادي الخاص، بعد سنّ الخامسة والثلاثين، لا يعود الإنسان لاعبًا في حياة الجميع كما كان في العشرينات…بهدوء، يتحول إلى ما يشبه الحكم الرابع في مباراة كرة القدم.
يقف على الخط، يراقب الإيقاع، ويرفع اللوحة كلما حان التبديل.
لا يتساءل،
ولا يستغرب،
ولا يرفض التغيير.
هل رأيت حكمًا رابعًا يحتج على التبديل؟
هو لا يفسّر القرار، ولا يناقشه، بل ينفّذه؛ لأن الملعب لا يتّسع للجميع.
هناك من ينتهي دوره،
وهناك من يتحول إلى عبء،
وهناك من يطلب الخروج بنفسه…
فاقبل ذلك.
وحين تُفرض عليك غربلة من هذا النوع، اقبلها، افرح بها، ولا تُكثِر التفسير والتأويل.
واعرف شيئًا في غاية الأهمية:
الأصدقاء الحقيقيون سيبقون مهما كانت الظروف، أمّا الأشخاص الظرفيون فلم يكونوا أصدقاء من البداية. كانوا صنيعة ظرف: عمل، أو حيّ، أو مصلحة، أو مرحلة. وهذا النوع من الناس في كثير من الأحيان لا يحتاج سببًا للعداء؛ هو مستعد له أصلًا، يبحث عنه، ويخترعه إن لزم الأمر.
السؤال الذي أطرحه عليك:
🔸هل سبق أن انقطع الاتصال بينك وبين شخص دون خلاف، ثم اكتشفت فجأة أنه تغيّر… وتحول إلى خصم، أو حتى إلى ع.دو؟ا
