أثار مسلسل “المهاجر”، الذي يُبث خلال سهرات الشهر الفضيل على قناة “الحياة”، جدلًا واسعًا بعد تقدم النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية بشكوى إلى رئيس سلطة ضبط السمعي البصري، اعتبرت فيها أن إحدى حلقات العمل تضمنت “مشاهد خادشة للحياء” وأظهرت “سلوكًا مهنيًا غير مقبول” لطبيب داخل مستشفى، بما يسيء – حسب الشكوى – إلى صورة السلك الطبي.
الواقعة تتعلق بمشهد درامي يُجسد طبيبًا يتحرش بمريضة داخل مكان عمله، وهو ما اعتبرته النقابة إساءة لأخلاقيات المهنة وضربًا لعلاقة الثقة التي تربط الطبيب بالمريض، خاصة وأن العمل عُرض خلال شهر رمضان.
غير أن هذا الجدل يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تُحاكم الدراما بمنطق الواقع المهني؟ وهل يُفترض أن يكون كل طبيب في الأعمال الفنية نموذجًا أخلاقيًا مثاليًا حتى لا يُفهم العمل على أنه “تعميم”؟
الدراما… مساحة تخييل لا نشرة مهنية
العمل الدرامي، بطبيعته، قائم على الصراع، والمفارقة، وكشف الجانب الإنساني بكل تناقضاته، لا على تقديم صورة دعائية لمهنة بعينها. فلو اشترطنا أن يكون كل طبيب في الدراما قديسًا، وكل معلم مثاليًا، وكل قاضٍ منزّهًا، سنكون أمام أعمال بلا توتر ولا حبكة، أي بلا دراما أصلًا.
المنتج السينمائي بوعلام زياني لخّص هذه الفكرة بوضوح، حين تساءل إن كان المطلوب مستقبلًا أن يكون “المجرم بطالًا” حتى لا تُتهم مهنة بالإساءة. وذكّر بأن العمل الفني “روائي خيالي وليس روبورتاجًا وثائقيًا ينقل الواقع حرفيًا”، محذرًا من منطق قد يؤدي إلى منع تجسيد أي مهنة دراميًا خشية إثارة حساسية فئة ما.
الأمثلة العالمية كثيرة:
شخصية الطبيب النفسي القاتل في فيلم “صمت الحملان” لم تُعتبر إهانة لمهنة الطب النفسي، بل نال العمل أرفع الجوائز.
وفي مسلسل “دكتور هاوس”، جسّد البطل طبيبًا عبقريًا لكنه مدمن ومخالف للأعراف الأخلاقية، ومع ذلك لم تتحرك نقابات الأطباء في الولايات المتحدة، لأن الجميع يدرك أن الدراما تبني شخصيات استثنائية لتغذية الحبكة، لا لتقديم دليل سلوك مهني.
الجمهور يميّز بين الواقع والخيال
المخرج ياسين قوسيم بدوره تناول المسألة بسخرية لاذعة، مذكرًا بأن أحدًا لم يحتج على “الكابتن ماجد” لأنه يعلّق الكرة في الهواء، ولا على الأعمال التي تتحدث عن كائنات أسطورية. الفكرة بسيطة: الجمهور ليس ساذجًا، وهو يفرّق بين الخيال الفني والواقع الملموس.
بل إن أعمالًا فرنسية كوميدية مثل سلسلة “H” دارت أحداثها داخل مستشفى وقدمت أطباء يرتكبون حماقات جسيمة، ولم تُعتبر إساءة للسلك الطبي. وفي العالم العربي، سخرت مسرحيات وأفلام من المعلم والطبيب والقاضي دون أن يُفهم ذلك كتعميم على المهنة.
الخلط بين “الشخصية الدرامية” و”المهنة الواقعية” يفتح بابًا خطيرًا نحو رقابة مهنية على الإبداع، حيث يصبح كل قطاع وصيًا على صورته الفنية، فيُفرغ العمل من جرأته ومن قدرته على مساءلة الواقع ذاته.
هل الإساءة في الخيال أم في الواقع؟
النقابة نفسها أقرت في بيانها بوجود تصرفات “شاذة وغير مقبولة” في القطاع الصحي كما في غيره من القطاعات. فإذا كانت هذه الحالات موجودة – وإن كانت معزولة – فكيف يصبح تجسيدها دراميًا “إساءة جماعية”؟
الدراما لا تقول إن “كل الأطباء متحرشون”، كما أن تجسيد قاضٍ فاسد لا يعني أن القضاء فاسد، ولا تصوير شرطي مرتشٍ يعني أن جهاز الأمن بأكمله كذلك. الفن يلتقط حالات إنسانية متطرفة ليصنع منها سردًا، وليس بيانًا إداريًا.
بل إن منع تناول هذه الحالات بحجة حماية الصورة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تجميل الواقع بدل مساءلته.
من حق أي هيئة أن تدافع عن صورة منتسبيها، لكن من غير الموفق تحويل عمل تخييلي إلى قضية مهنية. فلو ساد هذا المنطق، سنجد أنفسنا أمام دراما “معقمة”، خالية من الصراع، لا تقترب من الأخطاء ولا تلامس المناطق الرمادية في المجتمع.
الجدل حول “المهاجر” يعكس في جوهره اشكالية أعمق: هل نريد فنًا يطمئننا بصورة مثالية عن أنفسنا، أم فنًا يزعجنا أحيانًا لأنه يضعنا أمام تناقضاتنا؟
ومتى بدأنا نُحاكم الشخصيات الدرامية باعتبارها تمثيلًا حرفيًا للمهن، سنكون قد خلطنا بين الشاشة والواقع… وخسرنا الفن في الطريق.

سلام