التقيا في اليوم التالي بالمصادفة — أو هكذا أوهم نفسه.
في الواقع كان قد جلس في ذلك المقهى الصغير عند زاوية الشارع ثلاث مرات في الأسبوع الماضي، دون أن يعرف تحديداً لماذا. شيء ما جذبه إلى هذه الزاوية المطلّة على البحر، إلى هذا الكرسي الخشبي القديم الذي يصرّ أن يجلس عليه.
حين دخلت، لم يتوقع رؤيتها. وحين رآها، أدرك أنه كان ينتظرها دون أن يعلم.
طلبت قهوتها مرّة، مثله تماماً. لاحظ ذلك وابتسم.
— معظم الناس يضيفون السكر.
جلست أمامه مباشرة، كأنّ الكرسيّ كان محجوزاً لها.
— معظم الناس يهربون من المرارة. أنا أفضّل مواجهتها.
نظر إليها طويلاً. كان في كلامها شيء يشبه الحكمة، وشيء آخر يشبه الجرح القديم الذي لا يُضمَد تماماً.
— اسمي كريم.
— وأنا يسرى. وليس هذا وقت التعارف.
لكنها مدّت يدها مصافِحةً. وهذا كان كافياً.
— ما الذي تكتبه؟ سألها وهو يرى الدفتر المفتوح أمامها.
— أشياء لا أريد أن أنساها قبل أن تختفي.
— وهل تختفي الأشياء؟
رفعت عينيها عن الدفتر وحدّقت فيه بنظرة جعلته يشعر أنها ترى شيئاً خلفه لا يراه هو.
— الأشياء التي تستحق البقاء دائماً تختفي أوّلاً.
