طالع حكاياتنا قصص عربية — اقرأ مجاناً الآن
📰 واش صرا؟🎙️ بودكاست📹 فيديو✍️ كُتّاب نقطة📖 حكاية
حِكَايَة
صباح الوصول
· أبعد من البحر بقليل
أبعد من البحر بقليل قراءة
فصل

صباح الوصول

أبعد من البحر بقليل
نقطة

صباح الوصول

في صباح بارد من صباحات تيبازة، بدا الحرم الجامعي كأنه بُني على عجل من الإسمنت، والريح، وشيء آخر يصعب تسميته. ربما كان الانتظار. أو ذلك النوع من الصمت الذي يختبئ تحت الضجيج. وصلتُ مبكرًا أكثر مما ينبغي، مع أن الحافلة التي أقلّتني من شرشال كانت مكتظة إلى درجة جعلتني أشك، منذ السابعة إلا ربعًا، أن الجامعة ليست مكانًا للمعرفة بقدر ما هي اختبار طويل للصبر.

كنت أحمل ملفًا أزرق خفيفًا وكراسًا أسود جديدًا اشتريته قبل يومين من مكتبة صغيرة قرب السوق. لم يكن في الكراس شيء مهم بعد، فقط اسمي في الصفحة الأولى بخط مرتب أكثر من المعتاد، وتحت الاسم كلمة واحدة: علوم. كتبتها كما لو أنها تعويذة. أو وعد. أو شيء يشبههما، وإن كنت في الحقيقة لا أؤمن لا بالتعاويذ ولا بالوعود.

حين نزلت من الحافلة، صفعتني رائحة البحر مختلطة برائحة الغبار الرطب. لم يكن البحر مرئيًا من حيث وقفت، لكن وجوده كان واضحًا، كأنه شيء ضخم يتنفس في الجهة الأخرى من المباني. كان الطلاب يتدفقون نحو البوابة في مجموعات صغيرة: وجوه متحمسة، وجوه ناعسة، فتيات يثبتن حقائبهن على عجل، وشباب يتظاهرون بأنهم يعرفون الطريق. بعضهم كان يضحك بصوت عال، وبعضهم يمشي وهو ينظر إلى هاتفه كمن يبحث عن نجاة مؤقتة.

أما أنا، فكنت أمشي ببطء. لا لأنني لا أعرف أين أذهب فقط، بل لأنني كنت أريد أن أؤخر لحظة دخولي قليلًا. هناك أبواب، حين تعبرها، لا تعود الشخص نفسه تمامًا. والجامعة، في ذلك الصباح بالذات، بدت لي مثل واحد من تلك الأبواب.

عند البوابة الرئيسية، كان الحارس ينظر إلى الطلبة بلامبالاة مهنية اكتسبها على الأرجح عبر سنوات من رؤية الوجوه نفسها تتبدل دون أن يتبدل شيء آخر. تجاوزته ودخلت. أمامي انفتحت ساحة واسعة يتوسطها ممر طويل يقود إلى مبانٍ متشابهة، رمادية، باردة، كأنها نسخ سيئة من بعضها البعض. لو لم تكن هناك لافتات فوق الأبواب، لما استطاع أحد أن يعرف أين تبدأ كلية وأين تنتهي أخرى.

توقفت للحظة أبحث عن لوحة إعلانات أو سهم أو أي شيء ينقذني من الوقوف مثل سائح ضلّ فندقه. وجدت ازدحامًا قرب مبنى الإدارة، فاتجهت إليه تلقائيًا. البشر حين يجهلون شيئًا، يصدقون الحشود. ربما لأن الخطأ الجماعي يبدو أقل إحراجًا من الخطأ الفردي.

كان الطابور أمام شباك الإدارة طويلاً ومتشابكًا على نحو لا يشبه الطوابير بقدر ما يشبه سوء تفاهم كبيرًا. أوراق، ملفات، أختام، أصوات متداخلة، طالب يسأل عن القسم، وآخر عن بطاقة الطالب، وفتاة تلوّح بورقة في الهواء كما لو أنها ترفع شكوى إلى السماء مباشرة.

وقفت في آخر الصف، ثم اكتشفت بعد دقيقتين أن آخر الصف ليس آخر الصف فعلًا، بل مجرد طرف جانبي لطابور آخر لا يؤدي إلى أي مكان. عدّلت موقعي بصمت، وأنا أشعر أنني بدأت أتلقى أول درس جامعي: ليس مهمًا أن تأتي مبكرًا، الأهم أن تعرف من أين يبدأ الطابور.

أمام الشباك مباشرة، كانت تقف فتاة بشال رمادي ومعطف أسود بسيط. لم أر وجهها كاملًا أول الأمر، فقط جانبًا منه. كانت تتحدث إلى الموظف بنبرة منخفضة، لكن فيها شيء صلب. ليس الغضب، بل الإصرار. وهذا، في الإدارات الجزائرية، أقرب إلى الشجاعة منه إلى السلوك اليومي.

قالت:
— خويا، قلتلك الملف كامل.

رد الموظف من خلف الزجاج، من دون أن يرفع رأسه تمامًا:
— لا، ناقص شهادة الإقامة.

قالت وهي تحاول أن تبقي صوتها ثابتًا:
— بصح قالولنا ماشي لازم.

— أنا واش قلت؟ ناقص يعني ناقص.

سكتت لثانيتين. كان بوسعها أن ترفع صوتها مثل كثيرين حولها، أو أن تستسلم وتمشي. لكنها لم تفعل هذا ولا ذاك. وضعت يدها على حافة الشباك، وانحنت قليلًا إلى الأمام، ثم قالت:
— شوف، أنا جاية من بعيد، واليوم أول نهار، وإذا كان لازم نرجع كامل على هذي الورقة راح نضيع التسجيل. فهمني غير واش ندير بالضبط.

لا أعرف لماذا انتبهت إليها بتلك الدقة. ربما لأن صوتها لم يكن يشبه أصوات الآخرين. لم يكن عاليًا، لكنه لم يكن منكسرًا أيضًا. كان صوت شخص يعرف أن العالم غير عادل، ومع ذلك يصر على أن يشرح موقفه حتى النهاية.

رفع الموظف رأسه أخيرًا، نظر إليها نظرة قصيرة، ثم تناول الملف من يدها بتثاقل. قلب الأوراق واحدة واحدة. في تلك اللحظة فقط استدارت قليلًا، فرأيت وجهها. كان وجهًا هادئًا على نحو غريب، لا يطلب لفت الانتباه، لكنه يبقى في الذاكرة. عينان متعبتان قليلًا، لا من السهر وحده، بل من شيء أقدم. ربما من حياة كاملة تحاول أن لا تظهر على الملامح.

قال الموظف بعد لحظة:
— روحي صوريلي هذي الورقة من الجهة الأخرى، وزيدي جيبي نسخة من شهادة الباك، ومن بعد نخمم.

سألته:
— نخمم؟

هز كتفيه:
— إي نعم. من بعد نخمم.

غادرت الشباك بخطوات سريعة. مرّت قربي دون أن تنظر إليّ، وخلفت وراءها رائحة خفيفة لا تشبه العطر بقدر ما تشبه الكتب القديمة حين تفتح لأول مرة بعد شتاء طويل. لا أعرف لماذا فكرت في هذا التشبيه تحديدًا. ربما لأنني كنت متوترًا أكثر من اللازم، والعقل في توتره يختار صورًا غير ضرورية.

حين وصل دوري بعد وقت بدا أطول من المفروض، اكتشفت أنني في الصف الخطأ مرة أخرى. قال لي الموظف من دون أدنى أثر للأسف:
— التسجيلات تاع العلوم ماشي هنا، روح للمكتب الثاني.

نظرت إليه بصمت، ثم نظرت إلى الجهة التي أشار إليها، فوجدت طابورًا آخر أطول وأكثر فوضى. في تلك اللحظة، شعرت أن الجامعة كلها ليست سوى مجموعة شبابيك، وأن كل شباك يؤدي إلى شباك آخر.

انتقلت إلى المكتب الثاني وأنا أجر قدميّ. هناك، كان المشهد متشابهًا، مع فروق طفيفة في الوجوه فقط. وقفت من جديد، وحاولت أن أبدو أقل ضياعًا مما كنت عليه. أمامي كان شاب يشرح للموظفة أن اسمه غير موجود في القوائم، وخلفي كان اثنان يتجادلان حول الفوج والمجموعة والأعمال الموجهة، كأنهم يتحدثون عن قضية دولية لا عن جدول أسبوعي.

مرّت نصف ساعة تقريبًا قبل أن أصل إلى الشباك. دفعت ملفي من الفتحة الزجاجية وانتظرت الحكم. فتحت الموظفة الأوراق، ثم قالت:
— نسخة بطاقة التعريف؟

أخرجتها بسرعة.

— صورتان؟

أعطيتها إياهما.

— شهادة الميلاد؟

ناولتها الورقة وأنا أشعر أنني في مباراة ضد الوقت.

قلبت الملف مرة أخرى، ثم ختمت ورقتين متتاليتين بختم ثقيل يشبه ضربات صغيرة على الطاولة. قالت بعد ذلك:
— الفوج تلقاه في اللوحة لي لهيه. المدرجات تبدا الأسبوع الجاي، بصح بعض الأساتذة راهم بداو من اليوم. شوف روحك.

أخذت الملف كما لو أنني خرجت من عملية جراحية بسيطة بنجاح نسبي. لا فرح حقيقي، فقط نجاة مؤقتة. تنحيت جانبًا لأفسح المجال لغيري، ثم وقفت في الساحة من جديد، غير متأكد مما يجب فعله الآن. كان المكان أكبر مما ينبغي، والناس أكثر من قدرتي على المتابعة.

عند آلة نسخ موضوعة قرب الرواق، رأيتها مرة أخرى. الفتاة ذات الشال الرمادي. كانت تنتظر دورها، وتحمل ملفها بيد، وهاتفها باليد الأخرى. بدت متوترة هذه المرة على نحو أوضح. ليس لأنها تخاف من الورق الناقص فقط، بل لأن ثمة شيئًا آخر يضغط عليها من الخارج. كانت تضغط على شفتيها قليلًا، ثم تتركهما، كمن يحاول أن يمنع نفسه من قول شيء لا ينبغي قوله.

جاء دورها في آلة النسخ، لكن الورقة علقت داخل الجهاز. أخرج العامل رأسه من خلف الطاولة وقال ببرود:
— صبري شوية، راهي حابسة.

قالت:
— كامل نهاري وأنا نصبر.

رفع الرجل حاجبيه، ثم شرع في العبث بالآلة.

كنت أقف غير بعيد. ترددت لحظة، ثم اقتربت ببطء وسألتها:
— تحتاجي نسخة من هذي؟ نقدر نصورها لك من الجهة الأخرى، كاين محل خارج الجامعة شفتو كي جيت.

نظرت إليّ لأول مرة مباشرة. كان في عينيها شيء حذر، لكن ليس عدائيًا. مجرد حذر طبيعي لفتاة في يومها الأول، في مكان لا تعرفه تمامًا، أمام وجه غريب.

قالت:
— لالا، شكراً… نستنى برك.

هززت رأسي بخفة.
— كيما تحبي.

كدت أبتعد، لكنها قالت بعد ثانية:
— سمحلي… راك تعرف وين نلقى اللوائح تاع الفوج؟

التفت إليها من جديد.
— قالولي في اللوحة لي قدّام الإدارة. بصح أنا ثاني مازال ما شفتش.

ظهر على وجهها شيء يشبه الابتسامة، خفيفًا وسريعًا، ثم اختفى.
— مليح. معناتها ماشي غير أنا لي ضايعة.

قلت:
— لا، كامل ضايعين. غير كاين ناس يمثلوا مليح.

ضحكت ضحكة قصيرة، صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف برودة الصباح درجة كاملة.

قالت:
— عندك الحق.

لم أقل شيئًا بعدها. ولا هي. فقط وقفنا لدقائق متجاورتين أمام آلة النسخ المعطلة، كأننا ننتظر أكثر من ورقة. كان ذلك الصمت الأول بيننا. صمتًا لا يزعج، ولا يطالب بشيء، ولا يعد بشيء. مجرد فسحة قصيرة داخل يوم مرتبك.

بعد قليل، اشتغلت الآلة أخيرًا. أخذت أوراقها، رتبتها بسرعة، ثم قالت وهي ترفع الملف قليلًا:
— مرسي.

— العفو.

ترددت لحظة أخرى قبل أن تضيف:
— أنا سيرين.

لم أكن قد توقعت أن تقول اسمها بهذه البساطة. الأسماء، في الأيام الأولى، تأتي عادة متأخرة. بعد التعارف، أو السؤال، أو الصدفة الثانية. لكن اسمها جاء فجأة، كما لو أنه سقط من مكان مرتفع واستقر في رأسي فورًا.

قلت:
— أمين.

هزت رأسها مرة واحدة، ثم مشت في اتجاه الرواق الطويل المؤدي إلى القاعات. تابعتها بعينيّ حتى اختفت بين مجموعة من الطلبة. لم يكن في المشهد ما يستحق التذكر، لو نظر إليه شخص آخر. فتاة ذهبت لتصوّر ورقة، وشاب ساعدها بكلمتين، ثم افترقا. هذا كل شيء. ومع ذلك، بقيت واقفًا مكاني لثوانٍ بعد رحيلها، وأنا أشعر أن شيئًا صغيرًا، غير واضح، بدأ يتحرك داخل يومي.

اتجهت بعد ذلك إلى اللوحة المعلقة قرب الإدارة. كانت القوائم معلّقة عشوائيًا، وبعضها نصف منزوع بالدبابيس. تجمهر الطلبة حولها حتى صار من المستحيل تقريبًا قراءة الأسماء. دفعت نفسي قليلًا إلى الأمام، محاولًا أن أجد اسمي بين الفوضى الورقية. بعد بحث طويل، عثرت عليه في آخر قائمة تقريبًا: السنة الأولى علوم، الفوج 08.

تراجعت خطوة إلى الوراء، وأنا أحاول أن أحتفظ بهذه المعلومة داخل رأسي كمن يحفظ عنوانًا جديدًا. ثم سمعت صوتًا من خلفي يقول:
— لقيت اسمك؟

التفت. كانت سيرين تقف خلفي، تحمل أوراقها المصوّرة وملفها الأزرق. أشارت إلى اللوحة وقالت:
— أنا راني نقرا من شوية وما فهمت والو.

اقتربتُ قليلًا من اللوائح من جديد.
— واش اسم العائلة تاعك؟

قالته. بحثت بين الأسماء، ثم وجدته بعد أقل من دقيقة.
— ها هو. الفوج 08.

نظرت إلى المكان الذي أشرت إليه، ثم قالت:
— نفس الفوج؟

قلت:
— يبان.

سكتنا لحظة. كان حولنا عشرات الأصوات، لكن تلك الجملة الصغيرة صنعت نوعًا غريبًا من العزلة وسط الحشد. ليست الألفة بالضبط، وإنما إدراك مفاجئ أننا سنعود، على الأرجح، لرؤية بعضنا أكثر من مرة.

قالت وهي تجمع الأوراق إلى صدرها:
— مليح… على الأقل نكون نعرف وجه واحد.

لم أعرف ماذا أجيب. ابتسمت فقط، وربما كان ذلك كافيًا.

في الجهة البعيدة من الساحة، دوّى جرس خافت أو صفارة ما، فتحرك الناس بسرعة أكبر، كما لو أن أحدًا ضغط زرًا سريًا في المكان كله. طلبة يركضون نحو المدرجات، آخرون يسألون عن القاعات، وموظف يلوّح بورقة صارخًا باسم لا يرد عليه أحد.

نظرت سيرين نحو الرواق، ثم نحوي.
— راك رايح تشوف القاعات؟

قلت:
— على حساب. إذا لقيت الطريق.

قالت:
— إذا ضعت، ما تروحش بعيد. الجامعة تبان كبيرة بصح راها تبلع الواحد.

ابتسمتُ رغم توتري.
— باين عليك فاهمتها من أول نهار.

رفعت كتفيها قليلًا.
— لا، بصح حسّيتها.

ثم غادرت بخطوات متوسطة السرعة، لا سريعة بما يكفي لتبدو هاربة، ولا بطيئة بما يكفي لتبدو منتظرة شيئًا. بقيت أنظر إليها حتى ابتلعتها الزحمة من جديد.

في ذلك اليوم، لم يحدث شيء استثنائي بالمعنى الذي تحبه الروايات. لم تقع معجزة، ولم يتغير العالم، ولم أفهم الفيزياء، ولم أشعر أن الجامعة مكان يمكن الوثوق به. لكنني، وأنا أعبر الرواق الطويل لأول مرة، بالكراس الأسود تحت إبطي، كنت أعرف على نحو غامض أن ذلك الصباح لن يمر مثل بقية الصباحات.

كنت قد دخلت الجامعة لتوي.
وربما، من دون أن أفهم كيف، دخلت شيئًا آخر أيضًا.

 

نهاية
شارك رأيك
التعليقات مغلقة على هذا المقال.