طالع حكاياتنا قصص عربية — اقرأ مجاناً الآن
📰 واش صرا؟🎙️ بودكاست📹 فيديو✍️ كُتّاب نقطة📖 حكاية
✦  الجزائر

الفرق بين مدينة تجارية جيدة وأخرى رديئة

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، قصدتُ محلًا للجزارة. كان المكان، على غير عادته، مكتظًا بالناس. وبينما كنتُ أحاول فهم سبب هذا الاحتشاد، كان أحد العمال - وهو متخصص في…

نجم الدين سيدي عثمان
10 أبريل 2026
تاريخ النشر
1 دقائق
وقت القراءة
💬
🔖
في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، قصدتُ محلًا للجزارة. كان المكان، على غير عادته، مكتظًا بالناس. وبينما كنتُ أحاول فهم سبب هذا الاحتشاد، كان أحد العمال – وهو متخصص في بيع الدجاج – ينادي بصوت مرتفع: “ليست لدينا الفكّة (الصرف)، نبيع بـ50 أو 100 ألف، وغير ذلك لا بيع!”.
كان شرطًا مفروضًا بلغة الأمر. ومع أن غياب “الفكّة” ليس مشكلة الزبون، فإن ما فاجأني أكثر هو رد فعل الناس؛ لم ينسحب أحد، بل ازدادوا تدافعًا، وارتفعت الأيدي أكثر، واشتدّ الازدحام – النساء مثل الرجال – بعد أن تكيف الجميع سريعًا مع القاعدة الجديدة، فلم تعد تسمع إلا: “هات 50، هات 100”.
وفي اليوم نفسه تقريبًا، اشتريتُ قميصًا من مدينة قريبة، ثم توجهتُ إلى الصندوق لأدفع، فلم أجد أحدًا. سألتُ مرتين، ثم ثالثة. الباعة – أكبرهم لا يتجاوز العشرين – لم يكترث أحد منهم، وهو أمر مفهوم؛ فالمشكلة ليست مشكلتهم، بل مشكلة صاحب المحل. وبعد أن نفد صبري، ظهر هذا الأخير – والمفارقة أنه كان حاضرًا منذ البداية، وقد رآني واقفًا لدقائق – جاء متثاقلًا، باردًا، متجهم الوجه، ثم خاطبني بلهجة فظة: “هانا جينك آ سيدي، من الصباح… وينهو؟ وينهو؟”.
عندها، كنتُ أمام خيارين: أن أتقبل غلظته، أو أخرج. وبهدوء تام، وضعتُ القطعة التي كنتُ سأشتريها أمامه، وقلتُ له: “بطلت، لن أشتري”، ثم غادرت.
👈الزبون، حين يغادر بسبب شروط تعسفية، مثل رفض البيع بكمية قليلة، أو غياب “الفكّة”، أو سوء المعاملة، يُرسل إشارة واضحة مفادها أن المعاملة التجارية لا ينبغي أن تكون هكذا.
أما حين لا ينسحب، وحين يتكيّف مع الوضع، فهو يساهم، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ هذه البيئة، حتى تصبح “الوضع الطبيعي” الذي ينتشر في المحلات، ثم في المدينة ككل.
فالبائع ذكي اجتماعيًا؛ يختبر حدود القبول، والمسموح والممنوع، والطابور الذي لا يتفكك – كما في المحل الأول- ليس إلا إعلانًا جماعيًا بالموافقة. وفي علم الاجتماع، يُعرف هذا بـ”تطبيع الانحراف”؛ حيث يتحول السلوك الشاذذد، بالتكرار والقبول الصامت، إلى ممارسة مألوفة وعادية.
لكن الموضوعية تقتضي القول إن التاجر لم يهبط من الفضاء؛ فهو أيضًا ابن البيئة التي شكّلته، بل هو في جانب منه، ضحية لها.
فقد اشترى من تاجر جملة فرض عليه شروطه، واحتكّ بإدارات استقبلته بالبرود نفسه، وتعلّم داخل السوق، وربما بدأ متدربًا، وتعلّم المهنة في بيئة رأى فيها كيف تسير الأمور بلا أي كلفة، مع زبون يرضخ بسهولة، ويصعب عليه التعبير عن اعتراضه، لا بالخروج ولا حتى بإبداء موقف واضح، تفقد السوق قدرتها على تأديب السلوك السيئ، ولا يتشكل أي ضغط حقيقي يدفع نحو التغيير. عندها لا تبقى الرداءة ممارسة عابرة، بل تتحول إلى مناخ عام، ثم إلى تصور كامل للمدينة عمّا ينبغي أن تكون عليه المعاملة التجارية.
فما الذي يحدث هنا؟
هنا سنكون أمام مدينة رديئة تجاريًا. فما خصائصها، وفق رأيي – الذي يحتمل الخطأ – وتجربتي الشخصية؟
👈 في المدن الرديئة تجاريًا، أنت أمام 100 محل، لكنك في الحقيقة أمام “بائع واحد بـ100 وجه”. البدائل موجودة في كل مكان، لكنها معدومة نوعيًا. الجميع يبيع الشيء نفسه، بالطريقة نفسها، وبالسقف نفسه من اللامبالاة. هناك تتوقف المنافسة عن أداء وظيفتها الأصلية، لأن الاختلاف غائب من الأساس، ولأن غياب الاختلاف يعني غياب أي ضغط حقيقي لتحسين الخدمة.
لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد.
حتى لو أراد الزبون مغادرة المحل بسبب سوء الخدمة، فإن “البحث” نفسه له تكلفة: الزحام، والوقت الضائع، واستهلاك الوقود، والتوتر… كلها تتحول إلى فاتورة. ومع ارتفاع هذه التكلفة، يصبح البقاء في التجربة الرديئة خيارًا “عقلانيًا” أكثر من البحث عن بديل قد لا يكون أفضل أصلًا.
هنا، لا يفقد السوق الجودة فقط، بل يفقد أيضًا آلية تصحيحية، وهي أن الزبون لم يعد قادرًا على معاقبة التاجر. وحتى إذا خرجتُ أنا في المشهدين الأول أو الثاني، فإن الأمر، في النهاية، لم يكن مؤثرًا فعلًا، ولم يغيّر شيئًا في الوضع.
👈 ثم هناك عامل آخر، هو طبيعة الزبون نفسه.
في مدن العبور، أو المدن التي تنمو بسرعة وتبتلع المحليين والغرباء – مثل المدن الجديدة في الجزائر، وعنابة، ووهران، وقسنطينة، وغيرها – لا يرى التاجر أمامه “زبونًا وفيًا”، بل يتعامل مع تدفق بشري متواصل؛ لا حاجة لبناء علاقة، ولا ضرورة للاستثمار في السمعة، لأن الزبون القادم سيأتي على أي حال.
والنتيجة: سوق بجودة رديئة مشتركة بين معظم المحلات، بحكم البيئة والتطبيع. والنتيجة أيضًا أن التاجر الجيد، إن وُجد، لا يجد أي حافز للاستمرار في التميّز، لأنه يدفع تكلفة أعلى في بيئة لا تقدم أي مكافأة؛ فينخفض تدريجيًا إلى مستوى السوق، أو ينسحب، لأن هذا هو واقع السوق.
🔷 بالمقابل، كيف يبدو شكل المدن الجيدة تجاريًا؟
في هذه المدن، لا تستطيع أن تكون سيئًا وتستمر، لأن البيئة نفسها لا تشجع على هذه الرداءة.
أول عامل: أن البديل الحقيقي موجود وقريب، والزبون لا يحتاج إلى رحلة بحث طويلة.
محل آخر على نفس الشارع، بنفس السعر تقريبًا، أو ربما أقل – لأن هناك منافسة – مع تجربة أفضل. هنا، قرار المغادرة لا يكون مكلفًا، وبالتالي يصبح “العقاب” فوريًا، والتاجر يعرف ذلك جيدًا، ويدرك أن أي خطأ صغير قد يعني خسارة زبون ربما لن يدخل محله مستقبلًا.
👈 وثانيًا: قوة السمعة وانتشارها.
وهنا أتذكر المثل الشعبي: “دورو جاوي يبخّر سطيف”. في بعض المدن، السمعة ليست كلامًا للاستهلاك، بل نظام تداول حقيقي. ما يُقال عن التاجر الفلاني ينتشر بسرعة، والأهم أنه يُؤخذ بجدية ويؤثر في سلوك الناس: “هذاك سامط، ما تشريش من عندو”. التاجر السيئ قد يُقاطع فعلًا، ولا يدخل محله أحد، وتتدهور أموره التجارية بسبب اتفاق ضمني بين الناس، فقط لأنهم نقلوا تجربتهم، وتفاعلوا معها، ثم قرروا.
وفي المقابل، فإن المحلات التي تعرف حركية دائمة في بعض المدن لا يحدث لها ذلك على سبيل الصدفة، بل بفضل سمعة مثبتة ومؤكدة عبر الزمن. ويمكنك هنا أن تقيس الأمر على تجربة سائقي شاحنات الوزن الثقيل في اختيارهم للمطاعم؛ فهم يختارون مطاعم لها سمعة حقيقية.
يحتاجون إلى طعام نظيف، وخدمة سريعة، وسعر معقول، ولا يملكون هامش خطأ. لذلك، حين ترى شاحنات متوقفة بكثرة أمام مطعم، فذلك ليس صدفة، بل نتيجة “تصويت” يومي على الجودة. وهذا يعني أن المكان اجتاز اختبارًا حقيقيًا لا يجتازه إلا المطعم الجيد. وهناك، حتى لو كنت عابرًا أو زبونًا جديدًا، كُلْ ولا تخف🙂
ثالثًا: الزبون ليس عابرًا دائمًا. هناك إحساس ضمني بأنك قد ترى الشخص نفسه مرة أخرى في الحي نفسه، والمقهى نفسه، والمسار اليومي نفسه. هذا الاحتمال البسيط يغيّر السلوك؛ فالعلاقة تصبح مختلفة، وتُعتبر استثمارًا أحيانًا، ليس تجاريًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا، في بعض البيئات التي ما زال فيها دفء اجتماعي. وهنا يبذل التاجر جهدًا أكبر في عمله.
رابعًا، وهو العامل الأهم: الجودة في المعاملة لها مكافأة حقيقية. التاجر الذي يبتسم، ويقدّر ويحترم الآخرين، ويقدم خدمة جيدة، أو تخفيضات، وربما يضيف لمسة بسيطة، لا يفعل ذلك مجانًا؛ هو يرى الفرق في الإقبال، وفي عودة الزبائن من جديد، وحتى في تزايد مداخيله.
وهناك عامل آخر قد يبدو غريبًا أو سطحيًا: أنها مدن تتوفر فيها “الفكّة”، أو على الأقل تُعامل فيها “الفكّة” باعتبارها مشكلة التاجر لا مشكلة الزبون.
دخلتُ عند تاجر من إخوتنا من بني ميزاب (غرداية)، واشتريتُ شيئًا بقيمة 1200 دينار، وأعطيته – إلى جانب الألفي دينار – مبلغ 200 دينار كي يعيد لي 1000 دينار، فقال لي: “سآخذها منك لأنك قدمتها لي دون أن أطلب، لكنك لست مجبرًا على ذلك؛ الفكّة (الصرف) مسؤوليتي كتاجر. إن لم أجلبها، فلماذا أنا تاجر؟”.
👈 في الخلاصة، المدينة التي تتعبك في السوق ستتعبك، غالبًا، في الإدارة، وفي الشارع، وفي المستشفى أيضًا. الرداءة لا تتجزأ؛ إنها تنتقل من مكان إلى آخر، ومن سلوك إلى آخر، حتى تصبح أسلوب حياة، وما أقسى أن تعيش في مدينة رديئة تجاريًا.
👈 كيف تقيّم المعاملة التجارية في مدينتك؟ هل هي جيدة أم سيئة؟
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً