مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  كتّاب نقطة

الهدية المسمومة التي ينتظرها الكيان !

محمد يعقوبي
19 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
5 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬
مصر هي العدو الاستراتيجي الأكبر للكيان الإسرائيلي، ليس بالضرورة في حسابات الوضع الحالي، بل بحكم اعتبارات التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والثقل العسكري والسياسي والديني. ولذلك، فإن الصراع بينهما قد يتراجع أو يخمد بفعل اتفاقيات وحسابات المصالح، لكنه لا يُلغى إطلاقا من معادلات الأمن الاستراتيجي في المنطقة.
من هذا المنطلق، تبدو التطورات المتسارعة بين السعودية والحوثيين في اليمن، وما رافقها من حديث عن استعداد مصر لتقديم الدعم العسكري للمملكة، أكبر من مجرد ترتيبات دفاعية. فالسؤال ليس فقط كيف يمكن مساعدة السعودية في رد الاعتداءات، بل أيضًا، من المستفيد من اتساع رقعة الصراع في منطقة مشتعلة أصلًا، ومن يريد تحويل الخلافات الإقليمية إلى استنزاف متبادل لدول المنطقة؟.
هنا يكتسب بيان شيخ الأزهر أحمد الطيب الأخير، دلالة مهمة، فالدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية والوساطة ولمّ الشمل تعكس إدراكًا لمخاطر التصعيد. فكلما اشتد الصراع واتسعت دائرته لتشمل قوى وازنة في المنطقة، ازدادت فرص الكيان الإسرائيلي في تحقيق مكاسب استراتيجية من دون أن يخوض مواجهة مباشرة أو يتحمل كلفتها.
إن استنزاف قدرات القوى الأساسية، وتباعد مواقف العواصم سياسيًا وعسكريًا، قد يقودان إلى تفتيت المنطقة وتآكلها من الداخل، وهي نتيجة قد تحقق للكيان الإسرائيلي أهدافًا استراتيجية من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية جديدة.
قرار القاهرة، الذي أعقب اجتماع مجلس الدفاع الوطني، وتضمن إعلان التضامن مع السعودية والاستعداد لتقديم الدعم العسكري اللازم لها، يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا الدعم وحدوده، خصوصًا إذا تطور إلى تدخل عسكري مباشر. فمصر، بما تملكه من ثقل عسكري وبشري، قادرة صحيح على التأثير في موازين القوى، لكن دخولها في حرب استنزاف مع الحوثيين ليس قرارًا بسيطًا، ولا يخلو من مخاطر على أمنها ومصالحها وأمن المنطقة برمتها.
ولعل المفارقة التاريخية الأكثر إثارة للتأمل، أن مصر عبد الناصر أرسلت جيشها إلى اليمن في ستينيات القرن الماضي، لمحاربة السعودية ودعم الجمهوريين اليمنيين ضد الملكيين، بينما يُطرح اليوم انخراط الجيش المصري في دعم السعودية في مواجهة الحوثيين في اليمن. بالأمس، كانت القاهرة طرفًا في حرب يمنية وضعتْها في مواجهة مباشرة مع الرياض، واليوم قد تجد نفسها أمام معادلة مختلفة تمامًا، تقف فيها إلى جانب السعودية في مواجهة قوى يمنية. إنها مفارقة تختصر كيف تتبدل التحالفات والخصومات، فيما تبقى الجغرافيا اليمنية وتعقيداتها عاملًا ثابتًا في حسابات الحرب.
في زمن جمال عبد الناصر، بين عامي 1962 و1967، تحولت المشاركة المصرية في اليمن إلى حرب طويلة ومكلفة بشريًا وعسكريًا. وتختلف التقديرات التاريخية لحصيلة الخسائر المصرية حينها، إذ تتجاوز بعضها عشرة آلاف قتيل، فيما تذهب أخرى إلى أرقام أعلى. ومهما يكن الرقم الدقيق، فإن التجربة تظل درسًا ثقيلًا في كلفة التدخل العسكري في صراع داخلي متشابك خارج الحدود، وفي الفجوة التي قد تنشأ بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
إن استحضار تلك التجربة والكلفة لا يمنع مساندة السعودية ودعمها في مواجهة الاعتداءات على ترابها بكل الوسائل، بل تذكير بأن الحروب لا تُحسم دائمًا بتدخل الجيوش، ولا سيما في مواجهة جماعات تجيد حرب العصابات وتستفيد من تضاريس معقدة. وقد تبدأ العمليات بأهداف محددة، ثم تتسع جبهاتها وتطول مدتها وتتجاوز كلفتها التقديرات الأولى. ولهذا، فإن الحسابات المصرية في هذه المسألة حساسة ودقيقة للغاية، وأي انخراط عسكري يستوجب تقديرًا واضحًا للأهداف والوسائل والمخاطر ومآلات المواجهة.
خاصة أن السعودية لا تبدو عاجزة عن رد العدوان ومواصلة العمليات العسكرية في العمق اليمني، لكن التحدي الذي يواجهها ويواجه حتى اليمنيين، هو الكلفة المدنية، وايضاً اتساع رقعة الحرب بشكل يصعب السيطرة عليه.
لذلك تبدو الحاجة إلى مصر هنا، تشبه الحاجة إلى حنكة ذلك الجراح، الذي ربما يستطيع اجراء عملية دقيقة ثم خياطة الجرح، دون مضاعفات تشكل خطرا على الجسد (المنطقة). وهي مهمة تتراوح بين الصعوبة والاستحالة نظرا لحساسية وخطورة وتعقيدات العملية!.
أما على مستوى التحالفات، فيبرز سؤال جوهري حول حلف مكة الذي جمع السعودية وباكستان وتركيا، ولماذا استثنيت منه مصر، وأين اختفى في مثل هذه الظروف العصيبة!
باكستان، رغم امتلاكها السلاح النووي، تتحرك ضمن حسابات دولية معقدة، وفي مقدمتها علاقتها العضوية بالولايات المتحدة، بما يفرض اعتبارات إضافية على قراراتها الاستراتيجية. أما تركيا، فإن علاقاتها الاستراتيجية والعسكرية المتشابكة مع الكيان، تجعل أي مواجهة إقليمية تتقاطع مع مصالحه مسألة شديدة التعقيد بالنسبة إلى أنقرة.
إن الهم الذي حمله شيخ الأزهر أحمد الطيب، في بيانه، والمتمثل في رفض اتساع رقعة الصراع والدعوة إلى الحوار ولمّ الشمل، هو نفسه الانشغال الذي عبّرت عنه الجزائر في مواقفها من الأزمات المعقدة في المنطقة. من خلال إدانة إعتداءات الحوثيين على المملكة العربية السعودية بكل أشكاله، وهو الموقف نفسه الذي يمتد وبنفس المبدأ الى عام 2015، أين رفضت الجزائر أيضا الانخراط في التحالف العسكري عاصفة الحزم الذي توغل في العمق اليمني، وتمسكت بموقفها الداعي إلى الحل السياسي، انطلاقًا من قناعتها بأن الأزمات المعقدة لا تُحل بالقوة وحدها، وأن التدخلات العسكرية قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
ولعل الموقف الأكثر عقلا وحكمة اليوم، لا يجب أن يقوم على المفاضلة بين أمن دولة وأخرى، وحق شعب في الامن على حساب شعب آخر، بل على رفض أن يتحول أمن المنطقة كلها، إلى حصيلة حروب متتالية تستنزف دولها وشعوبها. فالتضامن مع السعودية ورفض الاعتداء عليها، لا يجب أن يتعارض مع الحرص على وحدة وأمن اليمن وحق شعبه في حياة كريمة، ولا يتعارض ذلك كله مع الدعوة إلى التهدئة، كما أن مراعاة المخاوف المصرية لا تعني التخلي عن مقتضيات التضامن العربي الإسلامي أمنيا واستراتيجيا. المطلوب هو بناء أرضية مشتركة تحمي الجميع، وتضمن حق العيش والامن لجميع الشعوب، وتمنع استدراج دول المنطقة إلى صراعات لا يمكن ضمان نتائجها.
إن أخطر ما يهدد المنطقة ليس اختلاف دولها، بل أن يتحول هذا الاختلاف إلى أداة لتفتيتها واستنزافها من الداخل. وتلك هي الهدية المسمومة التي ينتظرها وقد يجدها الكيان الإسرائيلي أمامه بالمجان، منطقة منهكة، ودول متباعدة ومنهارة، وقدرات مستنزفة، وشعوب تنام وتصحوا على الفقر والطائفية، نتيجة ترضي غرور هذا الكيان المسخ، من دون أن يضطر إلى خوض حرب مباشرة جديدة لتحقيق أهدافه.
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً