مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  كتّاب نقطة

ولد الخوني .. العربي محمودي وجمر العبور من الريف إلى المدينة

محمد يعقوبي
13 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
6 دقائق
وقت القراءة
1 قراءة
عدد القراءات
💬
يستحق العربي محمودي، قبل الحديث عن روايته (ولد الخوني)، كلمة تقدير، بوصفه واحدًا من أبناء الصحافة المكتوبة الذين جاءوا من بعيد، وتكبدوا جمر العبور من الريف إلى المدينة. تعلموا من هذه الرحلة القاسية والمهنة المتعبة أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون استعراضًا. وهذه نقطة حاسمة لفهم الرواية ونفسية صاحبها وظروف الجيل الذي ينتمي إليه.
العربي، بطريقة أو بأخرى، في إصداره الجديد، الذي سيكون حاضرا في صالون الكتاب القادم، لا يكتب عن الريف والمدينة وما يفصلهما من مشاق الطريق من موقع المتفرج المحايد، إنه يحاكي، في شخصية البطل الشاب مهدي، جانبًا مهمًا من تجربة الآلاف من أبناء الريف (وهو واحد منهم) الذين عبروا نحو المدينة يطاردون أحلامهم، هروبًا من الموت البطيء. قد تختلف التفاصيل من شخص إلى آخر، وقد تتغير الأزمنة والظروف، وقد يكون لكل مهدي منهم ضاويته وأوجاعه وذكرياته وأحلامه، لكن قسوة العبور واحدة لدى الجميع. أن تغادر موقع الطفولة والصبى إلى مكان لا يعرف عنك شيئًا، وأن تهرب بشغفك وأحلامك نحو ضفة مجهولة لتبدأ من الصفر. تلك هي المغامرة بكل ما تحمله من مجهول.
لهذا لا يروي العربي محمودي قصة مهدي ولد الخوني وحده. هو، بطريقة ما، يروينا (نحن) جميعًا، يروي أولئك الذين حملوا ريفهم في حقائبهم، ودخلوا المدينة بأحلام كبيرة وإمكانات صغيرة، وتعلموا أن المستقبل لا يفتح أبوابه دفعة واحدة، إنما يستل روحك من غمدها بقسوة ويرمي بك في فوضى المدينة وضجيجها دون مقدمات..
لقد سررت كثيرًا عندما أرسل لي العربي روايته وطلب رأيي المتواضع فيها، وأنا الذي يسكنني ما يسكنه من هواجس وذكريات البيئة نفسها، غير أنني شعرت بالعربي خائفًا من ردود فعل القراء، فهي أول خطوة يخطوها في دهاليز الرواية، رغم أنه يكاد يستهلك عقده الثالث صحفيًا محترفًا لا يُشق له غبار في كل ما يتعلق بالصحافة المكتوبة، حتى أن أغلب الصحفيين ينادونه بعمي العربي، ليس لسنه بل لمكانته وسط جيله، كفاءة ورصانة وحرفية..
لقد أكبرت في العربي تهيبه وخوفه من ردود فعل القراء، لأني أعرفه صحفيًا لديه مستوى كبير من الشعور بالمسؤولية، يعرف قدر الكلمة وقيمتها، فلا يلقيها بيننا إلا بعد أن يقلبها على كل الأوجه. لكن تهيُب العربي وأمثاله عالم الرواية، للأسف هو الذي يجعل الساحة مسرحًا لمحترفي الابتذال والإسفاف والإثارة من أشباه الكتاب الذين يمتهنون كسر الطابوهات، حتى صارت عادة بعضهم، عندما يغمرهم غبار النسيان، أن يسخروا أقلامهم لكسر الطابوهات وانتهاك الحرمة وخدش الذوق العام، وصار من البديهي في عالم الرواية أن من أراد الشهرة عليه أن يغوص في أعماق المرأة والجنس والعرف. حتى ظن بعضهم أنه كلما شتم في بيئته عن هذا الانحراف، نال الحضوة في الضفة المقابلة حيث الجوائز والتكريمات والأظرفة المالية..
لكن العربي محمودي ينتمي إلى مدرسة أخرى تمامًا، مدرسة أكثر رصانة ورزانة، أقل افتتانًا بالضجيج، وأكثر إيمانًا بأن المقروئية لا ينبغي أن تكون ثمنًا يُدفع من كرامة النص. إنه كاتب خجول أمام الكلمة، ينتقي أنظفها، وشجاع أمام الحقيقة، يقولها دون أن يجرح أحدًا. لا يبحث العربي محمودي عن الصدمة، ولا يحتاج إلى ابتزاز فضول القارئ كي يجعله يتسول القراءة.
ومن دلائل عمق هذا الكاتب الرصين في روايته (ولد الخوني) أنه يصور لنا عبور الشاب مهدي الشاق من الريف إلى المدينة بابداع منقطع النظير، كأنه مشاهد سينمائية مليئة بالأوجاع والأحلام والشغف والتشويق والمغامرة. فمهدي لا يخرج من الريف جسدًا فقط، وإنما يخرج منه محمّلًا بوجع أبيه، وبذاكرته، وبالأسئلة التي لم يجد لها جوابًا. ولعل مقتل والده منصور واحد من أكثر مشاهد الرواية قسوة ودلالة و سينمائية أيضا، الرجل الذي يتعرض للجلد مئة جلدة على أيدي تجار الدين، لأنه شارك في (وعدة) دينية يتوارثها أبناء القرية أبًا عن جد، ثم يعود إلى بيته مسلوخًا كشاة مذبوحة، قبل أن يفارق الحياة ويترك في قلب مهدي ندوبًا نازفة، ممزوجة بعشرات الأسئلة حول هؤلاء المتطرفين الذين يرون في والده مشركًا بالله، ويرون في أنفسهم مجاهدين في سبيل الله، والده الذي كان يصلي صلواته في وقتها، ويحفظ كتاب الله، ويكرم الضيف، ويعين المحتاج!.. وهؤلاء لم يكونوا سوى قطاع طرق يسفكون.. ويسرقون.. ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..
لكن موت الأب لا يغلق حكايته في الرواية، بل يفتحها من جديد أمام مهدي. فعندما يعود إلى ماضيه ويبدأ في جمع ما تناثر من سيرة والده، يكتشف أن منصور الخوني لم يكن بالنسبة إليه ذلك الأب الذي اختزلته الذاكرة في صورة الرجل المجلود ثم الميت، وإنما كان وراءه عالم كامل لم يكن يعرفه. يكتشف حياته الاجتماعية، وتعدد زيجاته، وعلاقاته بالناس، ومكانته في البلدة، وسلطته الروحية التي صنعت حوله هالة خاصة، بل يكتشف تفاصيل تبدو لأول وهلة بعيدة عن الصورة التي احتفظ بها عنه، السبحة والدربوكة، المجالس والحكايات، وحضور الرجل في حياة محيطه. ومع الكراس الذي يفتح له نافذة أخرى على سيرة أبيه، يدرك مهدي أن وراء موت منصور حياة ثانية كاملة، وأنه لم يكن يعرف من والده إلا الوجه الذي وصل إليه من خلال الجرح والغياب.
وفي السياق نفسه تأتي الضاوية (أنثى الرواية) بوصفها أكثر شخصية غموضًا في رحلة العبور. حضورها وغيابها، أسئلتها وأسرارها، ثم عودتها المفاجئة بعد فترة من الغياب، والمفاتيح التي تمتلكها لكثير من الأبواب المغلقة، هذا الغموض الأنثوي يمنح الرواية مساحة استرخاء جميلة وأمانًا لجانب مظلم في حياة مهدي. فحين يسمع مهدي صوتًا مألوفًا يناديه (يا مهدي، الضاوية راهي جات)، لا تكون المفاجأة مجرد عودة امرأة إلى المكان، إنها عودة جزء من الماضي العاطفي الذي ظن أنه ابتعد عنه. ومع الضاوية تتشابك الذاكرة مع الحب، والشك مع الحقيقة، والرغبة في المعرفة مع الخوف مما يمكن أن تكشفه الأيام.
هنا، العربي محمودي لا يشبه مدرسة الإسفاف والإثارة، ممن كلما ذكروا المرأة في رواياتهم قرنوها بالجنس والانحراف والاستغلال. فالعربي لا يحتاج إلى الصدمة حتى يمنح روايته حضورًا أدبيًا أنيقًا وجميلًا. الضاوية شخصية لها ظل وحضور وتأثير، وحتى غيابها له وقع مشوق، وليست مجرد أنثى يستأنس بحضورها ويستغل جناحها المكسور..
وتتجلى واقعية الرواية في رحلة مهدي المهنية. فالرحلة لا تمنحه الصحافة كهدية، ولا تجعله يصل إليها من باب البطولة المفاجئة، بل يبدأ من العمل البسيط في التصحيح والتدقيق، ثم يقترب تدريجيًا من قاعة التحرير، ويتعلم المهنة خطوة خطوة، ويكتشف أن الصحافة، مثل المدينة، لا تعطي أسرارها لمن يطرق بابها مرة واحدة. وهذا من أجمل ما في الرواية، لأن رحلة مهدي المهنية تبدو امتدادًا طبيعيًا لرحلة العبور الأولى، من الريف إلى المدينة، ومن الهامش إلى المركز، ومن المراقبة إلى المشاركة، ومن قارئ للحياة إلى شخص يحرك بعض أدوات الكتابة عنها.
واللافت أن الرواية، وهي تمضي نحو نهاياتها، لا تغلق طريق العودة خلف مهدي، بل تعيده إلى المكان الذي بدأ منه، وكأن العودة تصبح شرطًا ضروريًا لاكتشاف معنى الرحلة. يعود إلى القرية لا بوصفه ذلك الشاب المثقل بالمآسي الذي غادرها، وإنما بوصفه رجلًا حملها معه طوال الطريق، ثم عاد إليها محاولًا أن يفهمها ويعيد قراءة ما حدث فيها بنضج أعمق ووعي أكبر.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في (ولد الخوني) هناك عبور أول من الريف إلى المدينة صنع لمهدي حياته، وهناك عبور ثانٍ من الحياة إلى الكتابة جعل من ذلك الطريق مادة للرواية. في الأول خرج من الهامش بحثًا عن مستقبله، وفي الثاني عاد إلى الهامش ليمنحه صوتًا يسمعه الجميع دون خوف ولا خجل.
وربما لهذا تبدو (ولد الخوني) قابلة أيضًا لأن تُرى تلفزيونيا وسينمائيا، ففيها قرية ومدينة، وأب وابن، وحب وغياب، وعنف وذاكرة، وصعود مهني، وأسرار، ونهايات مفتوحة على أكثر من قراءة. وهي عناصر يمكن أن تغري المنتجين فيرون في الرواية مادة درامية أو سينمائية قابلة للانتقال إلى الشاشة، من دون أن تفقد روحها الإنسانية..
العربي محمودي عبر الطريق من الريف إلى المدينة، ثم عاد إلى الطريق نفسه بقلمه. في العبور الأول صنع حياته، وفي العبور الثاني صنع روايته. وبين العبورين لم يكتب نفسه وحده، كتبنا جميعًا.. أولئك الآلاف الذين غادروا الريف وبقي الريف في داخلهم.
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً