مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

الفَزْعَة..

محمد يعقوبي
13 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
5 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬
ليست القصة متعلقة بدجاجتين طلبتهما عروس عين الدفلى لتقيم بهما عشاء عرسها، فتدفق عليها كرم الجزائريين بطريقة مدهشة. وليست مجرد قصة عروس يتيمة فقيرة كانت في حاجة إلى المساعدة والتضامن، فهطلت عليها السماء خيرًا وبركة.
إنها قصة مجتمع بأكمله، قد لا تدرك حجم ما يختزنه من عاطفة وتضامن حتى تستفزه تفاصيل بسيطة، فيهبّ في قوافل طويلة، فقط ليجبر خاطر مواطن بسيط، ويحتضنه نفسيًا، ويشاركه فرحه أو قرحه.
يتيمة عين الدفلى طلبت دجاجتين فقط، ولو طلبت كبشًا أو دعمًا ماليًا، لجاءها ما طلبت، وانتهت القصة هنا. لكنها طلبت شيئًا أقل من القليل، أو أقل مما قد يتصوره أحد. إذ ماذا يعني أن تقيم فتاة عشاء عرسها بدجاجتين؟ هذا يعني أنها لا تملك جهاز عرسها، ولا أبسط امكانيات الزواج، بينما يرى الناس ويسمعون أن هناك من يذبح عشرات الكباش في زفاف ابنته، وهذا حق مشروع لمن يستطيع، وهناك من يزف ابنته بجهاز قد تتجاوز قيمته الملايير، والبعض يقيم معرضًا للسيارات والخيول والدراجات النارية، إلى غير ذلك مما يسعد الناس في أفراح أبنائهم.
ووسط هذا الانطباع العام، تخرج عليك فتاة يتيمة لم يبق على عرسها سوى أسبوع، لتطلب مساعدة محددة ومضبوطة، لا طمع فيها ولا جشع ولا استغلال، فقط دجاجتين لإقامة عشاء العرس!
وكأني بها كانت تقول، ساعدوني فقط لتحقيق أحد أركان وشروط الزواج، وهو الإعلان عنه، ولو بعشاء من دجاجتين!.
لذلك، كان العطاء والتضامن مدهشين، فقد جاءها في شكل جبر للخاطر، وليس مجرد مساعدات..
فزعة الجزائريين ليست وليدة اليوم، فقد تكررت قبل أسابيع مع شاب من مروانة ظهر وحيدًا في قاعة عرسه، فهبّ الجزائريون لجبر خاطره، كما هبّوا سنة 2018 لإنقاذ عياش الذي سقط في بئر بالمسيلة، في ملحمة إنسانية عاشها الآلاف ووثّقتها الزميلة المخضرمة مليكة ينون. وتكرر المشهد مع الطفل أيوب في البيض، كما تجلت الفزعة ميدانيًا في حرائق جيجل وتيزي وزو، حين قطع الجزائريون المسافات حاملين المساعدات وقلوبهم قبل أيديهم. إنها روح شعب لا تشترط القرابة للتضامن، ولا المعرفة لجبر الخاطر، يكفي أن يتألم فرد حتى يتحرك ضمير جماعي بأكمله لاحتضانه ومواساته.
لا يمكن تفسير هذه الفزعات بالكرم وحده، وإن كان الكرم أحد أركانها، ولا بالعاطفة العابرة التي تثيرها مقاطع التواصل الاجتماعي. ثمة جذور تاريخية ونفسية واجتماعية أعمق، تشكلت عبر قرون من التماسك الاجتماعي، وازدادت صلابة خلال 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، حين دفع الجزائريون الثمن جماعيًا، تحت وطأة القهر والقمع والتصفية العنصرية والدينية واللغوية، قبل مصادرة الأراضي وتحويل أصحابها إلى عبيد وخمّاسة، فضلًا عن محاولات طمس الهوية وإذلال الإنسان الجزائري في أرضه.
في تلك الظروف، لم يكن التكافل ترفًا أخلاقيًا، ولم تكن الجماعة والتجمع والاجتماع، وتاجماعت والعزّابة، مجرد وسائل للتعارف والاحتفال والمناسبات، بل كانت بحق وسائل للبقاء. لانه حين تضيق سبل الفرد وتضعف حيلته، تصبح الجماعة بديلا وحيدا، وحين تعجز الأسرة عن مواجهة المحنة، يتقدم المحيط الاجتماعي الصف ويتولى المهمة.
ثم جاءت ثورة التحرير لتمنح هذا الحس الجماعي بُعدًا وطنيًا. فكان الشعب هو الحاضن الحقيقي للثورة، احتضنها، ومنح القوة للمجاهدين، وتحمل معهم تكلفة المقاومة والجهاد. ومعروف أن الاستعمار الغاشم، كان كلما انهزم في معركة مباشرة مع الثوار، عرّج على القرى والمداشر، فأحرقها وانتهك حرماتها، لكن ذلك لم يزد الحاضنة الشعبية إلا قوة وتمسكًا بالثورة.
وحين دعا الشهيد العربي بن مهيدي إلى إلقاء الثورة في الشارع ليحتضنها الشعب، كان يعبر عن هذا المعنى وهو إيمانه بأن القوة الحقيقية لأي مشروع وطني تنبع من تحوله إلى قضية جماعية قادرة على احتضان البطولات الفردية وحمايتها ودفعها إلى الانتصارات. لقد كان الشعب حاضن الثورة وعمقها الاجتماعي، ولم يكن مجرد متفرج على بطولاتها، لذلك تشرب قيمها وورثها للأجيال المتعاقبة.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يبقى التضامن حاضرًا في الذاكرة الوطنية حتى بعد الاستقلال، وأن يتقدم الشعور بالانتماء المشترك أحيانًا على التناقضات البينية. كما أن تجربة العشرية الدامية، بما حملته من مآسٍ وخسائر، عمّقت إدراك الجزائريين لقيمة السلم الاجتماعي، وخطورة تفكك المجتمع، وحاجة الناس إلى حماية بعضهم بعضًا، والالتفاف حول جيشهم ودولتهم في مواجهة أي تهديد قد ينسف قواعد الدولة ونسيج المجتمع.
ورغم وجود العديد من السلوكيات والسلبيات في مجتمعنا، إلا أن توارث قيمة التضامن والتكافل والفزعة عند الحاجة، أصبح علامة فارقة حتى بالمقارنة مع الشعوب الأخرى، فمن يحتاج اليوم الى المساعدة سيتربى فعليًا، على تقديمها لغيره في اليوم الموالي. وهكذا تربت الأجيال وكبرت، حتى تجلت في مظاهر على بساطتها تشكل عمق وحقيقة مجتمعنا، بعضها لا يزال في انتشار وتوسع، مثل التكاتف والتويزة في البناء والحرث والحصاد والمحن والأفراح ..
لم تكن قصة عروس عين الدفلى ودجاجتيها سوى اختبار جديد لضمير جماعي حي، يرفض أن يتفرج على الخواطر المكسورة، ويرفض أن تمر حاجة الإنسان أو مأساته من دون فزعة.
يبقى سؤال ملحّ، يرتبط بهذا الوجه المشرق لمجتمعنا، إذا كان مجتمعنا يختزن كل هذا القدر من الذهب الإنساني، ومن التضامن والإحساس بالآخر، فكيف يمكن أن تكتمل منظومة الأخلاق فيه، حتى يختفي الغش في العمل والأسعار، وتتوقف المضاربة التي قسمت ظهر المواطن؟ وكيف السبيل إلى القضاء على مظاهر الجريمة والمخدرات في شوارعنا؟ وماذا ينقصنا لنرفع منسوب الأخلاق الفردية والعامة، بوصفها قيمة مشتركة ترتبط بتطور البلاد وارتقاء مستوى أفرادها؟
لعلّ الأمر يحتاج إلى جهد وطني متكامل، وإلى فزعة حقيقية تستنهض السلوك والضمير، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل، واحترام القانون والآخر، قبل الإحساس به والتضامن معه. فالتضامن، على نُبله، لا يكتمل أثره إلا حين تصبح الأخلاق ممارسة فردية يومية، ومسؤولية جماعية مشتركة، وثقافة تحكم علاقاتنا في الشارع والسوق ومكان العمل، مثلما تحكمها في لحظات الشدة والمحن.
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً