قبل أن أجيب عن رأيي في استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، أنا معاقب حاليًا من فيسبوك، لأن الأنظمة الروبوتية للمنصة أساءت قراءة منشور كتبته للتوعية من ظاهرة انتشار حبوب البلاء الأحمر ، فأوّلته على أنه بيع أو تشجيع على ذلك.
هذه الأنظمة الروبوتية تستطيع فعل كل شيء، حل معادلات رياضية معقدة، وكتابة برمجيات كاملة، وتحليل ملايين البيانات وترجمة نصوص إلى مئات اللغات في ثوانٍ، لكنها تعجز عن فهم منشور بسيط، وما تزال بعيدة في رأيي عن فهم المشاعر الإنسانية، لذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل كل شيء إلا أن يعطيك نكتة مضحكة.
وقد تسأل: ما علاقة هذا بالسؤال أعلاه؟
الجواب أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينظف نصك من الشوائب، وأن يجعله منظمًا ومرتبًا، لكن يصعب عليه أن يضخ فيه الروح. هذا العام مثلًا، وصلتنا بعض الأعمال إلى دار نسمة، وكان من السهل جدًا أن ألاحظ أثر الذكاء الاصطناعي فيها، لأنها تقول كل شيء دون أن تقول شيئًا في النهاية.
وعودة إلى السؤال، ففي رأيي، لا بأس أن يرتب لك الذكاء الاصطناعي أفكارك، ولا بأس أن تستخدمه في تنظيف لغتك. لكن إن لم تكن لديك أفكار حقيقية تقولها، أو تجربة ترويها، أو ملاحظات التقطتها بنفسك، أو وجهة نظر تخصك، فلن يمنحك الذكاء الاصطناعي ذلك، بل في النهاية سيقدم لك نصًا معلبًا يشبه آلاف النصوص التي امتلأت بها مواقع التواصل فجأة، وجعلت الجميع يكتبون بلغة نظيفة أكثر مما ينبغي.
بالنسبة لي، أكون أحيانًا بصدد المشي أو قيادة السيارة فتأتيني فكرة، فأسارع لأمليها عليه وأطلب منه أن ينقلها كما قلتها حرفيا، دون أن يتدخل في أسلوبي، لأنه إن تدخل بأسلوبه، فسيبدأ بتكرار الكلام والتعثر في الجمل، واستخدام الصيغ المملة من قبيل «ليس… بل»، وغيرها، بالإضافة إلى ملء النص بالحشو والهراء، ليعطيك في النهاية نصًا أكثر ترتيبًا مما ينبغي، لكنه من الداخل خاوٍ.
والأسوأ من كل هذا أنك حين تترك له حرية الكتابة في موضوعات مختلفة، سيُدخل إلى نصك قيمه الخاصة والتوجيهات التي تدرّب عليها. جرّب مثلًا أن تطرح عليه قضية من القضايا الإنسانية الكبرى وتطلب منه الكتابة عنها، ستجد أنه يقدم لك أجوبة ضبابية يحاول فيها إرضاء جميع الأطراف، مع أن ذلك مستحيل، إنه متملق بارع، وهذا التملق مشكلة بحد ذاته، لأن النموذج لديه هدف وهو أن يحاول إرضاء المستخدم بكل الطرق الممكنة.
أذكر هنا أنني مرة احتجت إلى مصادر في موضوع أبحث فيه، فتّشت في غوغل بكل الطرق دون جدوى، فلجأت إلى ChatGPT، وبكل سهولة أعطاني في ثوانٍ 10 مصادر مباشرة، وحين عدت للتحقق، وجدت أنه اخترعها بالكامل.
سألته لماذا فعلت هذا؟ في رأيكم ماذا كان جوابه؟ سأعود لجوابه لاحقًا…
هناك أيضًا ظاهرتان قرأت عنهما، تُسمّى الأولى «دوامة الأوهام»، والثانية «انهيار النموذج».
الأولى، أن يحمل شخص فكرة خاطئة أو شكًا في موضوع ما، فيعرضه على الذكاء الاصطناعي، الذي يواصل تأييده، فيزداد اقتناعًا ويقينًا، ثم يعود إليه بمزيد من الأسئلة ليحصل على تأييد آخر وآخر، وهكذا يجد نفسه بعد محادثات طويلة مقتنعًا تمامًا بشيء لم يكن متأكدًا منه في البداية، وقد يكون مخطئًا من الأساس.
تستطيع أيضا أن تعرض عليه فكرة عادية فيخبرك أنها عبقرية، أو تروي له خلافًا مع شخص آخر فيقنعك بأنك على حق. والأسوأ من هذا كله أن تعتادعليه في كل ما يتعلق بالتفكير والبحث والمراجعة، حتى تصبح مع الوقت أقل استعدادًا لبذل أي جهد عقلي وذهني، فتتحول إلى شخص اتكالي.
أما الظاهرة الثانية فهي ما يسمى اليوم «انهيار النموذج»…نحن اليوم أمام وضع غريب، الناس تكتب باستخدام الذكاء الاصطناعي وينشرون على الإنترنت، وهذه النصوص نفسها تدخل ضمن البيانات التي تتدرب عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى. وهذا يعني ببساطة أن الآلة ستتعلم من الآلة!!
وعودة إلى نموذج الذكاء الاصطناعي الذي قدّم لي مصادر اخترعها بالكامل، سألته: لماذا اختلقت هذه المصادر وضيعت وقتي؟ فأجابني:
«لم أشأ أن أخيبك».
يجيد التملق وبارع في ذلك.
شارك رأيك
أضف تعليقاً



