مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

ظاهرة الزوالي في الجزائر، وكولراي سيارة الشعب بـ500 مليون!

نجم الدين سيدي عثمان
4 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
7 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬
من يعيش في الجزائر وسط المجتمع، ويملك قليلًا من حس الملاحظة، سيلاحظ أن فكرة «الزوالي» تعمقت وتجذرت وتغلغلت في السنوات الأخيرة. ولم تعد تعني تمامًا مفهومها الأصلي، أي الفقير أو المعدم، بل تحولت إلى هوية اجتماعية تمنح صاحبها تعاطفًا مسبقًا، وحقًا ضمنيًا في أن يُعفى من السؤال أو النقد ما دام قد دخل تحت هذه الصفة، وربما حصانة أيضًا.
لم أتحرك كثيرًا في الأشهر الأخيرة، لكن حدثت أمامي ثلاث قصص تستحق أن أتوقف عندها، لأنها تكشف الفكرة نفسها بدرجات مختلفة.
🔸 شاب قرر أن يبيع المناديل الورقية في الطريق، بالضبط عند ممهل مقابل المطار. اختار مكانًا تمر منه السيارات بسرعة وتقع فيه أحيانًا حوادث مرور. ومن باب التنبيه قلت له إن المكان، وإن كان يزدحم في الصباح، فهو خطر وعليه أن ينتبه.
سمعني السائق على يساري فتدخل فورًا: «خلي الزوالي يخدم، خير ما يروح يسرق». ثم ناداه وركن سيارته من نوع «والله ما تركبها» على اليمين، وتضامن معه على الأرجح بمبلغ من المال. بدا لي أنه لم يكن يدافع عن شخص آخر فقط، بل عن صورته عن نفسه: أنه يفهم معاناة الناس، وكريم، وصاحب شهامة.
فكرت أنني لم أقل شيئًا أصلًا عن عمل الشاب. ومع أن بيع المناديل بهذه الطريقة يبدو لي شخصيًا شكلًا من أشكال التسول، فإنني لم أناقشه في ذلك. وكي أفتح قوسًا، عرفت هذه الطريقة في بلد عربي قبل سنوات طويلة، قبل أن تنتشر عندنا؛ احتجت يومها إلى منديل ورقي، فدفعت لسيدة عجوز مبلغًا يعادل ثمنه عشر مرات، فقالت لي، فيما معناه: لم يبق لي ما أتسول به إلا هذا الأخير، ولا يمكنني أن أعطيه لك! وفعلاً لم تعطه لي رغم أنها أخذت المال. منذ ذلك اليوم بدا لي كأنني فهمت فكرة بيع المناديل.
لكن لهذا الشاب قلت فقط: انتبه لسلامتك. أما الرجل الآخر فمنحه فورًا ما يمكن أن أسميه «الحصانة الأخلاقية للزوالي». بمجرد أن وضعه داخل هذه الصفة انتهى النقاش: لا تنصحه، لا تسأل عن المكان، لا تناقش طريقة العمل. هو «زوالي»، إذن: «خلي الزوالي يخدم».
🔸 أما الرجل الثاني فقصته مختلفة قليلًا.
عامل بلدي ينظف الطريق. سألت، بعد أن فكرت أكثر من مرة كي لا أحرجه: هل تستطيع أن تنظف الرصيف أيضًا أم أنه ليس ضمن نطاق عملك؟ فهاج وماج وغضب فعلًا وقال لي: «لا تعلمني عملي».
لاحقًا جلبنا رجلًا يتولى تنظيف الرصيف، لأنه لا ينظفه.
بعد هذه الحادثة انتبهت إلى الطريقة التي يعامله بها الناس. هذا يحضر له القهوة، وآخر يحييه من بعيد، وثالث يتوقف بمركبته ليسلم عليه ويتحدث معه في وسط الشارع. واللافت أن الناس يمرون صباحًا متجهمين في طريقهم إلى أعمالهم، لكن ما إن يصلوا إليه حتى يبتسموا ويضحكوا معه ويدعون له. وفي المكان نفسه كان عمال سونلغاز يشتغلون، ويمر بهم الناس من دون هذه الحفاوة.
كلها تصرفات لطيفة، فيها تقدير للرجل وجهده، لكن تكرارها بهذه الصورة كان يحمل أيضًا رسالة: أنك رجل نتعاطف معه ونواسيه، لا مجرد عامل يؤدي وظيفة مثلنا جميعًا. وربما ساهم الناس، من حيث لا يقصدون، في إلباسه لباس «الزوالي» بسبب نظرتهم إلى عمله والأفكار المسبقة التي يحملونها عنه. ولهذا فاجأه سؤالي، وأتفهم ذلك.
في هذا السياق، كنت في أحد المطارات الأوروبية حين جاءت عاملة نظافة وبدأت تنظف الأرض تحت كراسينا. وقفت حتى أفسح لها المجال، لكن المسافرين حولي، وكانوا من جنسيات أوروبية مختلفة، ظلوا جالسين، واكتفوا برفع أقدامهم قليلًا عن الأرض. واصلت هي عملها، وواصلوا هم جلوسهم. تصور لو حدث المشهد نفسه عندنا وصورته كاميرا، لتحول إلى مأساة إغريقية على الصفحات: «انظروا كيف يحتقرون سيدة في عمر أمهاتهم!»، مع آلاف التعليقات المحملة بشعور المظلومية.
وللأسف، كان هذا الأخ ينظف الطريق فقط، ثم لم يعد يكنسه، وصار يكتفي بجزء صغير ويقضي وقته جالسًا، أما الشخص الذي نستأجره نحن فهو من يقوم بهذا في الغالب، وهو رجل ستيني. ولأن عامل النظافة في الأصل «زوالي»، فلا يحق لنا أن نشتكي أو نتكلم أو حتى نسأله!
🔸 أما القصة الثالثة، فقد ابتُليت أحياؤنا، وربما أحياؤكم أيضًا، بظاهرة الشبان الذين «يحرسون» السيارات ليلًا وكذلك المحلات التجارية، من دون أن يكلفهم أحد بذلك.
لا أعرف كيف وزعوا أنفسهم وسط الأحياء، ثم تحول الأمر مع الوقت إلى اتفاق عرفي: الجميع تقريبًا يدفع.
في الشهر الأول لم أدفع عندما فتحنا مكتب دار نسمة، ثم وجدت نفسي في الشهر الثاني أبحث عن الحارس، لأنني أعرف القاعدة: «إن لم تدفع له فإن الحارس نفسه يمكن أن يسرقك».
جاء الحارس هذه المرة إلى المكتب وبدأ يحدثني عن الأسعار: «هل رأيت الخس؟ 250 دينارًا. الجزر والكوسة 200 دينار! اتصلت بي زوجتي وقالت: اجلب البيض، فقلت لها لن أشتريه بـ650 دينارًا».
تحدث طويلًا عن صعوبة الحياة منذ قرر أن يسلك «طريق الحلال»، كما سماه. وكانت الديباجة كلها تمهيدًا لطلبين: أن أسبّق له المبلغ الشهري أسبوعًا بسبب الدخول المدرسي، وهذا طلب يمكن تفهمه، ثم أن يزيد السعر 500 دينار ليصبح 1500 شهريًا. ولكي يجعلني أبتلع الزيادة ابتسم وقال لي: «عاون خوك زوالي، ماناش لاحقين».
ويا ليته سكت هنا. أخبرني أنه لا يحرس سوى 60 محلًا، مقارنة بشقيقه الذي يملك نحو مئة. أي أن «خوك الزوالي» يجني نحو 90 ألف دينار شهريًا مقابل حراسة لا يقوم بها ليلًا لأنه يكون في البيت. تستطيع ألّا تدفع، طبعًا، لكنك بذلك تخرج من اتفاق عرفي دخل فيه الجميع تقريبًا، وتصبح أنت المسؤول عن كون مكتبك خارج «شبكة الحراسة».
ثلاث قصص مختلفة، لكنني رأيت فيها فكرة واحدة بدرجات متفاوتة: الأول منحه السائق «الحصانة الأخلاقية للزوالي»، والثاني ربما ساهم الناس أنفسهم في إلباسه هذا الدور، والثالث منح هذه الحصانة لنفسه.
المشكلة ليست في الفقير، ولا في التعاطف معه، ولا في مساعدة المحتاج. هذه أشياء مطلوبة وإنسانية. المشكلة تبدأ حين تتحول اللفظة، وهي مشتقة من الكلمة التركية «zavallı» التي تحمل معنى البائس أو المسكين، إلى دور اجتماعي كامل: أنا ضعيف، إذن يجب أن تتعاطف معي. أنا مسكين، إذن لا تناقش كيف أعمل أو أتصرف. أنا «زوالي»، إذن يحق لي أن أغلق جزءًا من الطريق، أو أضع طاولة أينما وجدت مكانًا، أو أحتل الرصيف، ثم تصبح محاولة تنظيم الأمر اعتداءً على «الزوالي».
راقب التعليقات في قضايا الرأي العام؛ ستلاحظ أن الميل غالبًا إلى الطرف الأضعف بصرف النظر عمن يملك الحق. فمثلًا، أزالت قوى الأمن سوقًا فوضوية مؤخرًا، وحين يحدث أمر كهذا فإن «العقل الزوالي» لا يسأل أولًا: هل القرار قانوني؟ بل يقرأ المشهد مباشرة باعتباره استعمالًا للسلطة والنفوذ ضد زوالي.
لذا تجد طوفانًا من التضامن، ولا تقرأ سوى: «حرام عليكم»، «رزق الزوالية»، «وين تروحو من ربي قدام الزوالي؟». علمًا أن هذا السوق من أغلى الأسواق في المدينة وأكثرها اتساخًا.
وهنا تظهر المفارقة: من هو «الزوالي» أصلًا؟ ربما أكبر خطأ نرتكبه اليوم هو أن نبحث عن دخله. الزوالي لم يعد بالضرورة فقيرًا؛ قد يكون تاجرًا، يملك سكنًا من طابقين وسيارة صينية موديل 2026، ويصر مع ذلك على أنه زوالي. هو بهذا يعلن معسكره داخل المجتمع: أنا من تحت لا من فوق، لست من أولئك. أنا ضحية مثلكم.
وهكذا نفهم كيف يقول صاحب معرض سيارات «شاوروم»، في فيديو، عن سيارة سعرها نصف مليار: «كيما تعرفو، الكولراي راهي ولات سيارة نتاع الزوالي، نتاع الشعب، وسومتها 510 ملاين» 😁
👈 بمرور الوقت صارت صفة «الزوالي» مرغوبة اجتماعيًا؛ أن يُظهر الإنسان حاجته، وألا يبدو من «هذوك». وطالما أنك تعاني فأنت واحد منا. أما إذا نجحت واختلفت وخرجت قليلًا من الصف، فعليك أن تتحمل مسؤولية ذلك. وهذا ما أسميه «اشتراكية الوضع المزري»: لا ضرورة لأن نصعد جميعًا، يكفي أحيانًا أن نحاول إنزال من صعد حتى نستوي جميعًا.
وليست الفكرة حكرًا علينا؛ في مصر هناك صورة «الغلبان»، أما وجهها الآخر، أي مقاومة من يخرج من الصف، فله تعبير مشهور في الفلبين يسمى «Crab Mentality» أو «عقلية السرطانات»: سرطانات داخل وعاء، كلما حاول أحدها الصعود جذبته البقية إلى الأسفل، فلا يخرج أحد ويبقى الجميع محشورين في الداخل.
الخطر، برأيي، في سردية «الزوالي» في الجزائر أنها سهلة جدًا للتقمص. تمنح الإنسان تفسيرًا جاهزًا لوضعه، وتعاطفًا واسعًا، وأحيانًا عذرًا جاهزًا. ومع الوقت يمكن أن تتحول من وصف للحاجة إلى خطاب يشجع العجز وتبني دور الضحية بدل البحث عن هامش الفعل المتاح، مهما كان صغيرًا.
فتصبح الرسائل جاهزة: الدولة ما عطاتناش. لم أحصل على حقي. أخذوا كل شيء. وحتى الغيبيات تدخل في التفسير: «عاينونا»، «حسدونا»، «كلاونا». المهم أن تبقى النتيجة واحدة: لا مسؤولية لي إطلاقًا عما وصلت إليه.
ولا يعني هذا إنكار الظلم، أو البطالة، أو الفوارق، أو سوء التسيير، أو الظروف التي تسحق إنسانًا فعلًا. لكن تحويل الظلم إلى هوية دائمة تعفي الإنسان من كل مسؤولية شيء آخر.
الزوالي في الجزائر لم يعد حالة اقتصادية؛ صار موقعًا داخل المجتمع. ومن يدخل تحت هذه المظلة يكتسب نوعًا من الامتياز، ومن يخرج منها وينجح أو يُظهر نجاحه يصبح موضع شبهة، لأن القاعدة صارت:
🔸 إذا تعطلت سيارتك سنساعدك على إصلاحها. إذا جعت سنطعمك. إذا وقعت في الطريق سنرافقك إلى المستشفى ولن نتخلى عنك حتى تضع الجبس وتصل بيتك. لكن إذا نجحت وتميزت واختلفت، فانتبه: أنت تخرج عن فكرة «الزوالي»!
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً