قبل عشر سنوات بالضبط، أصدرت كتابًا ألّفته وأنا مرتبك للغاية، ضائعًا، خائفًا، لا أعرف ما الذي ينبغي أن أضعه فيه وما الذي أستبعده. كان يضم قصصًا من رحلاتي إلى إفريقيا. تعبت كثيرًا في كتابته، وحقق نجاحًا كبيرًا لم أتوقعه.
كنت منتشيًا، ولم أتوقع إطلاقًا ما سيحدث بعد ذلك، حين أصبح هذا الكتاب سببًا في مشكلات انتهت بقطع مصدر رزقي.
توقعت أن يفرحوا لي في المؤسسة الإعلامية التي كنت أعمل فيها، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ أصبحت من المغضوب عليهم، وبدأت أتعرض للحصار والتضييق، حتى إنهم هددوا الزملاء الذين يفكرون في حضور حفل توقيع كتابي.
حضر أحدهم فعلًا، وحين عاد إلى قاعة التحرير، طُلب منه أن يجيب عن مساءلة كتابية جاء فيها: «لماذا حضرت حفل توقيع كتابه؟» فأجاب ببساطة: «لأنه زميلي».
ولا أنسى أيضا المرحوم حمزة بركاوي، الذي اشترى الكتاب وعاد به إلى قاعة التحرير، ثم التقط صورة وهو يحمله ونشرها على صفحته.
في تلك الفترة، كنت قد بدأت كتابة روايتي «هجرة حارس الحظيرة»، التي تتناول حياة جزائريين يقيمون في جنوب إفريقيا بعدما وصلوا إليها عن طريق الهجرة السرية. كنت قد استمعت إلى قصص كثيرة، وأخذت الفكرة تتخمر في رأسي، إلى أن شرعت في كتابة رواية متشعبة تبدأ أحداثها في موقف للسيارات بمدينة قسنطينة.
لكن السؤال الذي كان يزعجني جدًا هو: كيف سأصدرها؟
كان مصدر رزقي مهددًا، وكنت محاصرًا، والتضييق يتزايد، بل إنهم قرروا تهميشي تمامًا، وحاولوا تحويلي إلى مترجم.
ورغم ذلك، واصلت عملي أؤدي ما يُطلب مني، كما واصلت كتابة الرواية. ضحيت بعطلتي حتى أنهيتها وأصدرتها بعد عام بالضبط، في أكتوبر 2017.
أصدرتها متحديًا كل شيء، ولا أعرف لم فعلت ذلك، فلم يكن هناك أي مقابل مالي؛ لكن تلك الرواية كانت تلحّ عليّ، وكان لا بد أن أخرجها من رأسي، فقد أتعبتني؛ فعلت ذلك رغم تحذيرات زملائي من أن الأمر لن يمرّ بردًا وسلامًا.
تخيّل أنني أصدرت كتابًا، لكنني أخفيت خبر صدوره، لا خوفًا من هذا الشخص، بل خوفًا على مصدر رزقي، فلم أكن وحيدًا؛ كانت لديّ عائلة وطفلة أعيلها.
تصور، في اليوم نفسه الذي صدرت فيه الرواية، رزقني الله بمولود، وكما كان متوقعًا، وصل خبر صدورها إلى ذلك الشخص في قاعة التحرير، فراح يهدد ويتوعد!
لم أكن أملك حينها أكثر من ثلاثة آلاف صديق على فيسبوك، ومع ذلك، سبحان الله الذي سهّل أمره، حضر منهم المئات.
ولأنني فعلتها، وكنت أعرف أن الأمور ستتعقد، وقد تفاقم الأمر بالفعل، قررت تقديم طلب استيداع (عطلة دون أجر)، قدمته، وغادرت، لم أُسوِّ وضعيتي بعدها، ولم أعد إلى غاية اليوم، ولا أفكر في العودة ولو بأموال الدنيا.
سأكذب عليك إن قلت إنني غادرت بسهولة؛ غادرت متألمًا، كأنني فقدت جزءًا من هويتي. تخيّل أن تغادر مؤسسة عشت فيها مراهقتك وبدايات شبابك، وقدّمت لها كل شيء، حتى إنني خسرت سيارتي أثناء مهمة صحفية من أجلها.
والأدهى من ذلك كله أن تغادر من دون أن تكون قد ارتكبت خطأ، أو تسببت في فضيحة أو مشكلة، بل لأنك أصدرت كتابًا رأى أحدهم أن الوقت الذي استغرقته كتابته قد اقتُطع من وقت العمل؛ كأننا ما زلنا نعيش في زمن السُّخرة.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي تلك الفترة، انقلب عليّ أحد أقرب أصدقائي، بينما بدأ بعض الزملاء يتجنبونني خوفًا على رزقهم، وهو أمر كنت أتفهمه. لكن الغريب أن أصدقاء مقرّبين جدًا لم يفرحوا لفرحي كما توقعت.
ومنذ ذلك الوقت، ظل سؤال واحد يشغلني: لماذا لم يفرحوا لي؟
عشت أيامًا قاسية، وحيدًا ومحبطًا إلى أقصى حد، إلى أن رزقني الله بعمل أفضل.
سامحت لاحقًا، وبصعوبة، الرجل الذي تسبب في قطع مصدر رزقي، سامحته من أجلي، لا من أجله؛ لأنه، من حيث لا يدري، غيّر حياتي إلى الأفضل، ودفعني نحو فضاء أوسع بكثير.
اكتشفت نفسي أخيرًا خارج الصحافة الرياضية، وتعلمت أشياء كثيرة في مجال الصحافة، وانفتحت على مجالات لم أكن أعرفها. والأهم من ذلك أنني أصبحت قادرًا على تأليف كتبي من دون أن أضطر إلى إخفاء خبر صدورها عن أحد.
لكن سؤالًا ظل يلاحقني: لماذا لا يفرحون لي؟ خصوصًا حين صدر كتابي الثالث، وتكرر الأمر، إلى درجة أن البعض ذهب إلى العداوة المجانية.
ثم إن هذه حياتك أنت، وتحسينها مسؤوليتك، سواء فرح لك الناس أم لم يفرحوا. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين ألا يفرح لك أحدهم، وبين أن يحاول إيذاءك؛ فمن حق أي شخص ألا يشتري كتابك، وألا يقرأه، بل ومن حقه أن ينتقده ويكتب عنه ما يشاء، بعد أن يقرأه، لكن ما الذي يدفع البعض إلى محاولة الأذى؟
عاد إليّ هذا السؤال قبل أيام، حين أعلنت عن كتابي الجديد «نصف مليون خطوة في أوروبا».
قرأت بعض التعليقات على صفحتي، وعلى حسابات أخرى، من بينها حساب أحد أصدقائي. كما أرسل إليّ أصدقاء قصاصات من نقاشات جرت في مجموعة على واتساب. كان بين أصحاب تلك التعليقات زملاء وآخرون؛ أعرف بعضهم، ولا أعرف بعضهم الآخر. وقد تضمنت تعليقاتهم همزًا ولمزًا، بل ومحاولات للانتقاص مني.
وليس الأمر جديدًا، بالمناسبة، فقد اعتدت الأمر، واعتدت أيضا ألّا أرد، وألّا أنزل إلى ملاعبهم المستنقعية، غير أن السؤال أخذ يتغير؛ ولم يعد: «لماذا لا يفرحون لي؟»، بل صار: «لماذا يزعجهم أن أكتب كتابًا جديدًا؟»، فأحدهم، كلما أعلنت عن صدور كتاب، يتصرف كالمسعور.
سأستعين بإجابة سمعتها من شخص قد لا تتوقعونه: ساحر تاب عن فعله. قال إن معظم الذين يتسببون في أذى الآخرين أشخاص يكرهون الناس، وإنهم عاجزون، قليلو الحيلة وضعفاء. قد تظن أنهم يفعلون ذلك تحقيقًا لمصلحة ما، لكنك تكتشف، في نهاية المطاف، أنهم لا يحبون أنفسهم أيضًا.
فكرت طويلًا في هذه المسألة، وخلصت إلى قناعة أن الإنسان المتصالح مع نفسه، الواثق، المؤمن برزق الله، لا يحتاج إلى إيذاء الآخرين أو الانتقاص منهم أو التآمر عليهم والكيد لهم كي يشعر بقيمته. إنه لا يرى في تقدم الآخرين تهديدًا له؛ إذ لديه ما يشغله، وما يسعى إلى تحقيقه.
أما الفرح لنجاح الآخرين، فليس واجبًا على أحد، كما أنهن ليس متاحًا للجميع، فهو شعور نبيل وراقٍ، يحتاج إلى نفس سوية وقلب نظيف، وإلى الإيمان بأن نجاح الآخرين لا يهددك، وأن الدنيا واسعة، والفرص كثيرة، وأن الحياة ليست لعبة صفرية لا بد أن يخسر فيها أحدنا حتى يفوز الآخر.
شخصيًا، أتمنى أن ينجح الناس جميعًا، وأن تتحسن أحوالهم، لا يضرني ذلك في شيء، ولا ينتقص من رزقي.
تلك هي عقلية الوفرة التي احتجت إلى وقت طويل لأتعلمها. عملت على نفسي كثيرًا وجاههدتها، ولم يكن الأمر سهلًا، خصوصًا أنني عشت سنوات في بيئة مهنية واجتماعية شديدة السلبية. لذلك كان عليّ أن أبذل جهدًا كبيرًا لأكون شخصًا إيجابيًا، داعمًا ومحبًا للآخرين، وهنا يحضرني هنا أحد الإخوة، يعلّق أحيانًا على منشوراتي التي أتحدث فيها عن أشخاص التقيتهم، فيقول: «أنت محظوظ؛ فقد التقيت في حياتك أشخاصًا رائعين، بخلافنا». وهو لا يعرف أن هؤلاء لم يكونوا سوى قلة قليلة، وربما لهذا السبب أحب أن أحتفي بهم وسط بحر من الأشخاص السلبيين، لذا تعلمت ألا ألوم أحدًا، وألا أنتظر شيئًا من أحد، وأن أتقدم وأسامح.
لكن ماذا استطاع ذلك الرجل أن يفعل؟ ربما قطع مصدر رزقي، لكن هل استطاع أن يمنع رزق الله من أن يصلني؟
لا أبدا!
تصور حتى الرواية التي نشرت إعلان صدورها للأصدقاء فقط، خوفًا على لقمة عيشي، دُرست أكاديميًا في 21 مذكرة تخرج في 15 جامعة، وفازت بجائزة رئيس الجمهورية وبجائزة عربية، وهي اليوم في طبعتها الرابعة!
وإن كان هناك أمر واحد تعلمته من هذه السنوات، فهو ألا تجعل إرضاء الناس هدفًا في حياتك. فمن تحاول إرضاءهم ليسوا سواء؛ فيهم السوي والمريض، والعاقل والمجنون، ولكل واحد منهم مزاجه وأهواؤه وحساباته. فكيف ستُرضي هؤلاء جميعًا؟
هل وصلت إلى هنا في المنشور ووجدته بسيطًا وعاديًا، مكتوبًا بلغة واضحة وسهلة؟
أعرف، لكن صدقني، لقد دفعت الكثير لأصل إلى هذه القناعات، أمضيت عشر سنوات أفكر وأحلل وأراجع نفسي، ومررت بتجارب قاسية حتى فهمت الأمور بهذه البساطة التي أكتب بها اليوم، دون أن تتصور ما احتجته لأصل إلى ما تعلمته.
ومثلما شاركتك قبل أيام تحدي المشي، الذي لا يزال مستمرًا، أشاركك اليوم هذا المنشور، وهو عصارة تجربة صعبة؛ فهذا أيضًا جزء من محبة الناس وتمني الخير لهم: أن تشاركهم ما تعلمته، لعلهم ينتفعون به دون أن يدفعوا الثمن نفسه الذي دفعته أنا كي أتعلم.
وسأواصل فعل ذلك، مؤمنًا إيمانًا عميقًا بأن التغيير ممكن، ولو كان محدودًا، وبأن الكلمة الطيبة قد تصل إلى شخص ما في اللحظة التي يكون فيها بأمسّ الحاجة إليها، وأننا، وإن لم نستطع تغيير العالم كله، فإن كل واحد منّا يستطيع، من موقعه وفي محيطه، أن يجعل هذا العالم أقل قسوة وأكثر رحمة!
شارك رأيك
أضف تعليقاً



