مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

ليريكا..القصة الكاملة للبلاء الأحمر في الجزائر!

نجم الدين سيدي عثمان
3 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
8 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬


في 6 عمليات فقط، منذ 9 ماي إلى 30 سبتمبر 2026، حجزت مصالح الأمن ما لا يقل عن 14 مليونًا و355 ألفًا و350 حبة من البريغابالين، دون احتساب عشرات العمليات في مختلف ربوع الوطن.
إننا أمام ظاهرة حقيقية.
فما هذه «ليريكا» التي تدخل إلى الجزائر بملايين الكبسولات؟ وأين تُصنع؟ وكيف تحولت من دواء للأعصاب إلى واحد من أكثر المؤثرات العقلية استهلاكًا في الجزائر؟ وما قصة جرعة 300 ملغ التي تدخل الجزائر؟ وما خطورة الأموال الناجمة عن الاتجار بهذه المواد؟ فضلًا عن سؤال أهم: ما علاقة تعاطيها بالرجولة، وهل فعلًا تؤثر فيها؟!

دخل «ليريكا» الجزائر دواءً. مادته الفعالة هي البريغابالين، ويُستخدم أساسًا لعلاج آلام الأعصاب وبعض حالات الصرع. وتشير سجلات الدواء الجزائرية إلى أن أول تسجيل له يعود إلى 11 أكتوبر 2006، ثم ظهر البريغابالين في الجريدة الرسمية سنة 2008 ضمن قائمة الأدوية القابلة للتعويض.
في هذا الوقت لم يكن أحد يتحدث يومها عن «الصاروخ».
لكن الدواء بدأ، خلال تلك السنوات تحديدًا، يخرج من استعماله الطبي إلى استعمال آخر: التهدئة والنشوة والانفصال عن الواقع، وتدريجيا في ظل التساهل وسهولة الحصول عليه من الصيدليات تشكلت حوله ثقافة كاملة.
أصبح اسمه «الصاروخ»، وسُمي نوع آخر Double Signature وسميّ أيضا تاكسي ولحظة وميلكا وغيرها، وارتبط لدى بعض الشباب بقارورة المشروب الغازي، وخصوصًا كوكا كولا، بحثًا عن المفعول. وفي وقت ما صار البعض يفاخر بأنه «مصورخ». وارتبط الأمر عند آخرين بصورة الجرأة والرجولة، ودخل «الصاروخ» حتى لغة أغاني الملاعب.

 لكن هل هو موجود في الجزائر فقط؟

البريغابالين ليس ظاهرة جزائرية ولا هو دواء عن بقية العالم؛ فهو مستخدم في دول كثيرة عبر مختلف القارات، المشكلة عندنا في الكميات الضخمة التي تدخل خارج المسار الطبي، والكميات التي تدخل عبر الحدود.
وإذا بحثنا عن أكثر البلدان استهلاكًا للبريغابالين نجد مفارقة غريبة. دراسة شملت 65 دولة ومنطقة وجدت أن أستراليا كانت صاحبة أعلى استهلاك للفرد، كما ظهر استهلاك مرتفع في دول من أوروبا الغربية.
لكن الفرق كبير، الاستهلاك المرتفع لا يعني أن أستراليا هي عاصمة «الصاروخ» العالمية. جزء كبير من الاستهلاك دوائي، لمرضى يحتاجون الدواء فعلًا.
لكن الاستعمال خارج الإطار الطبي موجود هناك أيضًا. ففي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها سُجل التعاطي غير الطبي، والوصفات المزورة، وتسرب الدواء إلى خارج المسار العلاجي.
فمن أين تأتي الحبوب؟ تكشف تقارير الأمم المتحدة وعمليات الحجز في المنطقة أن جزءًا مهمًا من البريغابالين المتجه إلى الجزائر يبدأ رحلته في جنوب آسيا، وخصوصًا الهند. يصل قسم منه بحريًا إلى الموانئ الليبية قبل أن يتحرك غربًا نحو الجزائر، بينما تسلك شحنات أخرى طريق غرب إفريقيا والساحل عبر النيجر ومالي. كما سجلت الأمم المتحدة دخول مؤثرات عقلية إلى الجزائر عبر أوروبا. وهكذا لا تصنع ليبيا «الصاروخ» في الغالب؛ لكنها أهم محطات عبوره.
ورغم أن الهند تُعد من الدول المهمة في صناعة البريغابالين وتصديره، فإنها لم تكن من الدول المتصدرة لاستهلاكه في الدراسة العالمية التي شملت 65 دولة. لكنها واجهت لاحقًا مشكلة إساءة استعمال داخلية. وفي ماي 2026 شددت الحكومة الهندية الرقابة على البريغابالين، ونقلته إلى قائمة أكثر تشددًا في الصرف، بعد تقارير عن إساءة استعماله، خصوصًا بين الشباب.
الجزائر كانت قد سبقتها إلى تشديد الرقابة عليه بخمس سنوات.

 فماذا اتخذت الجزائر من إجراءات؟
في ماي 2021 أعلنت وزارة الصناعة الصيدلانية إدراج البريغابالين ضمن الأدوية ذات «الخطر المثبت للإساءة والاعتماد والاستعمال المنحرف»، وفي 11 أوت من السنة نفسها صدر القرار الذي أخضعه لرقابة خاصة. ثم أُدرج في التصنيف الوطني المنشور سنة 2024 ضمن المواد والأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقليًا التي تحمل خطر الإساءة والاعتماد والاستعمال المنحرف.
لكن المشكلة لم تنته عندما أُغلق باب الصيدلية. ظهر مشكل آخر بعد بدء قطع المنافذ.
البريغابالين يوجد في تراكيز تبدأ من 25 ملغ وتصل إلى 300 ملغ في الكبسولة الواحدة. لكن الذي يتكرر في المحجوزات الجزائرية هو 300 ملغ: أعلى تركيز في الكبسولة.
ومع الاستعمال المتكرر وصل بعض المتعاطين إلى ابتلاع 600 ملغ، أي حبتين من تركيز 300 ملغ، دفعة واحدة.
في الطب لا تُؤخذ هذه الجرعة عادة دفعة واحدة. يبدأ العلاج غالبًا بـ150 ملغ يوميًا، ثم تُرفع الجرعة عند الحاجة، وتُقسم على جرعتين أو ثلاث، وتُخفض عند من لديهم مشكلات في الكلى، ما يعني أن الاستهلاك بلغ درجات متقدمة حين نتكلم عن 600 ملغ!!.
ومعرفةً منها بهذا الخطر المحدق بشبابها، نقلت الجزائر في سبتمبر 2026 الملف إلى المستوى الدولي. ففي فيينا، شاركت في الاجتماع الـ33 لرؤساء أجهزة إنفاذ قوانين المخدرات في إفريقيا، وهناك دعت إلى إدراج الاتجار غير المشروع بالبريغابالين واستعماله غير الطبي ضمن أجندة الدورة الإفريقية المقبلة، ورافعت من أجل إخضاعه مستقبلًا للرقابة الدولية.

لأنه عندما تدخل إلى بلد ما شحنة واحدة فيها 10 ملايين و400 ألف كبسولة، فالقضية لم تعد شابًا أخطأ وأدخل شاحنة محمّلة تحت إغواء الربح السريع، هناك واقع كامل: سوق تطلب، ومتعاطون، ومروجون صغار، وشبكات توزيع داخل الأحياء، وفوقها شبكات دولية تملك المال والوسائل والمسارات التي تسمح بتحريك ملايين الحبات.
المشهد، بهذا الشكل، يبدو كحررب استنزاف على الجزائر وشبابها.

 لكن هناك خطر آخر تماما: ماذا يحدث للأموال التي تولدها هذه التجارة؟
في 1 أكتوبر 2026 أعلنت مصالح أمن ولاية الجزائر تفكيك شبكة عابرة للحدود وضبط قرابة مليوني كبسولة، واسترجاع 636 دراجة نارية و16 مركبة نفعية وسياحية من عائدات تبييض الأموال. وكانت الشبكة، تبيّض عائداتها الإجرامية تحت غطاء وكالات لبيع السيارات والدراجات النارية، وبلغت القيمة التسويقية الإجمالية للمحجوزات نحو 250 مليار سنتيم.
وفي قضية 10 ملايين كبسولة، تحدث تقرير الأمن عن عناصر في دبي يتولون تسيير وتحويل الأموال والعائدات المرتبطة بالنشاط الإجرامي، إلى جانب عناصر أخرى في فرنسا.
هنا لم تعد المسألة شحنة تدخل، تُباع، ثم تنتهي القصة. عائدات هذه التجارة تبحث عن منافذ لإخفائها، فتذهب إلى أصول باهظة القيمة يسهل شراؤها وإعادة بيعها: سيارات، وعقارات، وقطع أراضٍ، وأنشطة تجارية. وهكذا لا يبقى المال الناتج عن الجريمة في جيب المروج، بل يدخل الاقتصاد الحقيقي، ويمول نشاطًا آخر، ويخفي مصدره، ويوسع قدرة الشبكة على الحركة والشراء والتهريب. ومع تدفق هذه الأموال إلى تلك الأسواق، تتغذى المضاربة ويزيد الطلب على السيارات والعقارات وقطع الأراضي، وترتفع الأسعار إلى الأعلى، بما يجعل الوصول إليها أصعب على المواطن العادي

ما الذي يفعله «الصاروخ» بمن يتعاطاه سنوات؟
البريغابالين يُستخدم أساسًا لعلاج آلام الأعصاب، مثل آلام الاعتلال العصبي السكري وما بعد الحزام الناري وإصابات الحبل الشوكي، ويُستخدم مساعدًا في بعض حالات الصرع. وهو يؤثر في الجهاز العصبي المركزي، وخارج استعمالاته الطبية الموصوفة لا مجال لتعاطيه.
لأن المشكلة ستصبح أكبر من لحظة النشوة، فكيف ذلك؟
كثيرون لم يعودوا يتعاطونه أصلًا من أجل النشوة التي بحثوا عنها في البداية، بل لأنهم أصبحوا لا يحتملون التوقف عنه.


فيما عدا ذلك، لماذا تدخل نفسك في دوامة قد تضرب رجولتك أصلًا؟
لا يوجد سبب يجعلك تدخل هذا جحر الثعابين هذا، لأنك ستضيع. لا عاقل يفعل هذا.
لن تشتريها ورأسك مرفوعًا؛ ستبحث عنها متخفيًا عند المشبوهين، تحصل عليها وأنت تلتفت حولك، تضعها في جيبك خائفًا، ثم تتعاطاها وتحرص ألّا يراك أحد. ستبدأ وأنت تعتقد أنك تستعملها، ثم تنتهي وهي التي تستعملك. تتعود عليها فتذلك، ثم ترفع الجرعة، وتصبح اتكاليًا عليها، عبدًا لحبة.
بعد الابتلاع تظهر دوخة، ونعاس، وضعف في التركيز، واضطراب في التوازن والتناسق الحركي، وتشوش في الوعي. وقد تظهر حالات من الهلوسة والهياج واضطرابات المزاج. ومع الجرعات المرتفعة، وخصوصًا عند خلطها بمواد أخرى يزداد خطر توقف التنفس وفقدان الوعي وحتى الموت.

وأزيدك من البيت شعرًا: قد تضرب رجولتك.
في دراسة على 75 شخصًا كانوا يتناولون البريغابالين لأسباب طبية، ظهرت اضطرابات جنسية لدى 31 منهم، وشملت ضعف وانخفاض الرغبة. هذه المشكلات ظهرت حتى مع جرعات علاجية منخفضة بين 50 و100 ملغ يوميًا لدى بعض المرضى، ثم تحسنت بعد إيقاف الدواء.
هؤلاء لم يكونوا مدمنين، كانوا يناولنه لأسباب طبية، لذلك يمكنك تصور المشهد مع من يأخذون حبتين معًا، أي 600 ملغ.
أما التفسير العلمي فيرتبط البريغابالين بوحدة تسمى «ألفا-2-دلتا» في قنوات الكالسيوم بالخلايا العصبية، ويقلل إطلاق عدد من النواقل العصبية، وتأثيره في هذه المنظومة العصبية هو جزء من تفسير تأثيره في الرغبة والاستجابة.
ليست دراسة واحدة؛ فهناك عدة دراسات وتقارير سريرية أخرى ربطت البريغابالين بمشكلات في الرجولة. وهكذا يبدأ بعضهم وهو يظن أن ما يفعله دليل على أنه صار رجلًا، ثم ينتهي به الأمر إلى العكس تمامًا…رجل رخو!

وإذا كان ما تبحث عنه هو مزاج أفضل، وطاقة أعلى بكثير، ونوم أهدأ، وجسد أقوى، فهناك حلول واقعية ومجانية وسهلة لن تكلفك دينارًا ولا كبسولة.
شخصيًا، لدي مجموعة من العادات اليومية انتهيت إليها بعد ست سنوات من التجربة على نفسي، ومتابعة تجارب مئات الأشخاص معي، وبعد سنوات من الأخطاء. وفي النهاية خرجتْ بطريقة تساعدك على تحسين نومك ومزاجك وجسدك وصحتك، من دون هذه الاتكالية.
ويمكن لمن ابتُلوا بهذه الحبوب، خصوصًا ممن بوسعهم الإقلاع أو من هم في بداية الطريق، مراسلتي، وسأساعدهم في تنظيم برنامج يومي. أما الحالات الأصعب فتحتاج إلى تقييم ومتابعة مع مختصين ومراكز تكفل.
وأقولها لك: التزم فقط، وكن جادًا، وستصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى هذا البلاء ولا تفكر فيه، وتستعيد مزاجك الطبيعي من دون حبة. أقسم لك أنك ستكتشف أن بإمكانك تحريك منظومة المكافأة واليقظة والمزاج في جسمك بطرق طبيعية، من دون حاجة إلى حبة تخفض استثارة الجهاز العصبي من خلال عادات بسيطة وصحية تؤثر في مواد مثل الإندورفينات والأنانداميد والنورأدرينالين، التي تشارك في المزاج واليقظة والاستجابة للتوتر.

تحية لكل أولئك الذين أمِنوا شر هذه الحبوب لأنهم عرفوا خطرها، ولم يسلّموا عقولهم لا لحبة ولا لسيجارة.
وتحية لكل أب وأم يراقبان، ويسألان، وينتبهان إلى أبنائهما قبل الوصول إلى الحبة ثم الحبتين. إنها مسؤولية الأولياء. أما من تورط أبناؤهم، فطريق العودة ممكن، وتبقى مراكز العلاج والمتابعة المتخصصة هي الطريق الأضمن.
ويبقى التبليغ ضروريًا؛ فهو حس بالمسؤولية، وحماية لأبنائنا ونهي عن المنكر، من دون أن ننسى دورنا جميعًا في التوعية.
ومع التحية لرجال الأمن الذين يتصدون يوميًا لهذا البلاء الأحمر.

 برأيكـ، ما هو الحل المناسب لمواجهة ظاهرة «ليريكا» في الجزائر؟

شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً