مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

الأكل الصحي هل يحتاج فعلا إلى مال؟

نجم الدين سيدي عثمان
10 أوت 2026
تاريخ النشر
4 دقائق
وقت القراءة
2 قراءة
عدد القراءات
💬
كنتُ أقول دائماً إن الأكل الصحي لا يحتاج إلى مال كثير.
أجادل بثقة، واعتبر أن المسألة غاية في البساطة: قلّل السكر، اطبخ في البيت، امشِ أكثر، ولا تبحث عن الأعذار، ولا تنس أن تتحلى بالإرادة.
هل ما زالت احتفظ بالرأي نفسه؟ سنرى
دخلتُ سوبرماركت في أمستردام، ووقفتُ أمام ثلاجات الألبان كأنني أُمّيّ غذائياً لا افقه شيئا.
كفير، سكير آيسلندي، ياغورت يوناني حقيقي، ألبان مخمرة، أجبان ماعز، أجبان غنم، أجبان معتقة منذ سنوات بعضها متعفن، توفو، منتجات عضوية، منتجات عالية البروتين، وعلب مختلفة لمنتجات تقرأ عليها معلومات إضافية: نوع المزرعة، طريقة التربية، العلف، نسبة الدسم، وحتى نوع البكتيريا التي خُمّر بها الحليب.
أقرأ العبوات دون أن أعرف الكثير من المنتجات، أخرجتُ هاتفي مستعيناً بالذكاء الاصطناعي: ما هو التوفو؟ وما الفرق بين الكفير واللبن؟ ولماذا هذا الكفير أغلى من ذاك؟
بعد أيام استنتجت أن الطعام في أوروبا الغنية لم يعد طعاماً فقط.
صار معرفة.
وصار وقتاً.
وصار قدرة على الاختيار.
👈في هولندا، يدفع شخص 2.5 يورو مقابل علبة مشروب كفير مخمر بطريقة تقليدية، وهو يعرف لماذا يدفع هذا السعر. وفي المكان نفسه، تقف بقربه امرأة عجوز أمام نوعين من الموز: عادي بـ1.79 يورو، وعضوي Bio بـ2.99 يورو. تتأمل السعرين قليلاً، ثم تختار الأغلى بهدوء.
ليس لأنها تريد أن تنفق المال، بل لأنها تملك القدرة على أن تقول: لا أريد مبيدات صناعية بل فاكهة في سلسلة إنتاج أراها أفضل لصحتي.
في بلد أفقر بما في ذلك دول أوروبية أخرى، هذا الأمر غير مطروح تماما، أولا الخيارات قليلة وثانيا هناك لا يسأل الإنسان: أيهما عضوي bio؟ بل يسأل هل هذا المنتج الذي سأشريه يكفي العائلة ككل أم لا.
الرجل الذي يحسب ثمن الخبز والحليب لا يملك أصلا القدرة على المقارنة بين ياغورت وآخر وبين فاكهة وثانية، لا يملك المزاج النفسي تماما ليقرأ المكونات، ولا الوقت ليبحث في أنواع الأجبان وطريقة تحضيرها، ولا الدخل الذي يسمح له أن يفضّل صحته على جيبه دون خوف.
الفقر يقلل الخيارات.
وقد انتبهت لملاحظة أن السمنة لم تعد اليوم علامة ثراء كما كانت في المخيلة القديمة. في كثير من المجتمعات، صارت السمنة تميل نحو الفقراء، لسبب بسيط لأن الطعام الرديء هو الأرخص، والأقرب، والأسرع، والأكثر توفرًا.
الخبز الأبيض رخيص، العصائر المحلاة رخيصة، البسكويت رخيص، الأطعمة المجمدة الرخيصة متاحة في كل مكان، والدقيق والسكر والدهون الرديئة تسد الرمق بأقل كلفة.
أما السمك، والمكسرات، والجبن الجيد، والبروتين النظيف، والخضروات الطازجة، والمنتجات العضوية، فهي تحتاج إلى مال، ووقت، ووعي، وهدوء داخلي.
وهكذا فإن الفقراء لا يختارون السمنة، لكن يُدفعون إليها دفعاً.
وبالتالي، فالمسألة في اعتقادي مالية أولاً، ومسألة وعي فردي ثانياً، ثم هناك العنصر الثالث، وهو مهم أيضا : الوعي الجماعي للمجتمع.
قد تسألني: كيف؟
👈في النمسا وسويسرا وهولندا، تمتلئ المتاجر بهذه المنتجات الصحية، لأنها تجد من يشتريها. المواطن يملك القدرة المالية، ولذلك يستمر إنتاج هذه السلع، وتتوسع خياراتها، وتتنافس الشركات على توفير المزيد منها.
الشركات لا تفكر في صحة مواطنيها، هي مؤسسات تجارية في النهاية، تنتج ما يُباع، وتتوقف عن إنتاج ما يبقى على الرفوف.
وهنا تذكرتُ تجربة دانون في الجزائر.
حاولت الشركة تقليل السكر في أحد أنواع الياغورت، لكن المستهلك الذي اعتاد مذاقاً أكثر حلاوة لم يتقبل المنتج الجديد. صار ذلك المنتج يعود إلى الشركة مرة بعد أخرى، بينما تباع المنتجات السكرية الأخرى. استمرت الخسائر، وفي النهاية توقفت الشركة عن إنتاجه.
هذه القصة تختصر جزءاً من المشكلة.
يمكنك أن تضع أفضل منتج صحي على رفوف المتاجر، لكنك لا تستطيع أن تجبر الناس على شرائه. وحين يتشكل ذوق مجتمع كامل – بسبب القدرة الشرائية ولأسباب أخرى – ولعقود على السكر والطعام الرخيص والمذاق شديد الحلاوة، يصبح معها تغيير ثقافة الاستهلاك أمرا غاية في التعقيد.
وعودة لما بدأنا منه، قلتُ لسنوات إن الأكل الصحي في الجزائر لا يحتاج إلى مال كثير، فإنني اليوم أتراجع عن هذا الرأي واعترف أنني كنتُ مخطئاً.
قد يكون الأكل الصحي غير مكلف إذا اختصرناه في تقليل الوزن، إبعاد السكر والفرينة مع الأكل والطبخ المنزلي البسيط، والتركيز على الخضروات، والمشي. في هذه المساحة الضيقة، هناك جزء من الحقيقة.
لكن حين نتحدث عن منظومة غذائية صحية حقيقية، متنوعة كما يأكل مواطن في جنيف وفي فيينا وأمستردام؛ منظومة تحتوي على البروتين الجيد، والأسماك، والمكسرات، وأجبان الماعز والغنم الطبيعية، والفواكه الطازجة والمنتجات العضوية، مع القدرة على الابتعاد عن الأغذية فائقة التصنيع، فعليك أن تدفع الكثير.
لذلك أعتذر لكل من ناقشتهم طويلاً وهم كثر، كثيرا ما تحديتهم بنبرة من الثقة العمياء، مصرا أنها قضية إرادة بالدرجة الأولى.
لقد كنتُ مخطئاً.
الأكل الصحي يتجاوز كونه مجرد إرادة؛ فهو يتطلب مالاً يمنحك رفاهية الاختيار ، كما يحتاج إلى وعيٍ شعبي جماعي يفرض على الشركات أن تستمر في انتاج الأغذية الصحية. يضاف إلى ذلك كله شرطٌ أساسي: الصفاء الذهني والمزاجي والنفسي، وهو ترفٌ لا يملكه الفقراء دائماً وسط ضغوط الحياة.
الفقراء ضحايا وضع اقتصادي يجعل الأسوأ في كثير من أنحاء العالم هو الأرخص والأقرب لهم؛ ليجدوا أنفسهم مجبرين، لا مخيرين، على دفع ضريبة مزدوجة:
أن يكونوا فقراء وبدناء في آن واحد.
👈 هل تتفق معي أن الأكل الصحي يبتعد عن الفقراء وأنه قضية مال ورفاهية للاختيار ومزاج لا يملكه دائما محدودو الدخل؟
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً