قررتُ زيارة سلوفاكيا، وكلما أخبرتُ أحداً عن وجهتي، وجدتُ نفسي أقول تلقائياً: “سأزور تشيكوسلوفاكيا”، كأن عقلي لا يزال عالقاً في زمن ما قبل 1993؛ عام “الطلاق المخملي”، حين انفصل التشيك والسلوفاك بوئامٍ تام، حتى إن البلدين اليوم حليفان، والشعبان علاقتهما وثيقة.
كان الانفصال محاولة بلدٍ صغيرٍ أن يخرج من تحت عباءة أخٍ أكبر. كانت تشيكيا أكثر تقدماً، وبراغ أكثر قوة، والصناعة أقدم، والمؤسسات أعرق، والاقتصاد أقرب إلى أوروبا الغربية. أما سلوفاكيا فكانت الطرف الأضعف نسبياً: أقل ثراءً، أكثر ريفيةً، مع بطالة أعلى، خصوصاً في الشرق، ناهيك عن شعور متجذّر بأن القرار الكبير يُطبخ في براغ ثم يصلها جاهزاً.
بالنسبة إلى كثيرٍ من الزوار، ليست سلوفاكيا وجهةً نهائية، بل بلد عبورٍ سريع. تكون في فيينا، تكتشف أن لديك يوماً زائداً، فتبدو براتيسلافا خياراً منطقياً: قريبة، رخيصة، هادئة، وتمنحك فرصة أن تقول إنك زرت بلداً آخر، ثم تعود إلى فيينا لتتناول بها وجبة الغداء. هكذا، بكل سهولة، لكن هذه الفكرة نفسها تحمل ظلماً خفياً للبلد؛ فالسائح يدخل من الباب الأقرب إلى النمسا، يرى العاصمة في ساعاتٍ قليلة، ثم يظن أنه فهم سلوفاكيا كلها، وهذا خطأ سأحاول تفاديه!
بينما كان القطار العتيق يشق طريقه، لمحتُ من نافذته آلاف السيارات الجديدة المصطفة فوق مقطورات الشحن العملاقة. ولمن لا يعرف، فسلوفاكيا هي أكبر مُصنّع للسيارات في العالم قياساً بعدد السكان. التعليم الاشتراكي، رغم مشكلاته، كان يقدّس الانضباط الصناعي، ومن هذا الإرث خرج عمالٌ مهرة وهكذا انتقل البلد بإرادة من صناعة الدبابات والآلات الثقيلة إلى صناعة سيارات “فولكس فاغن” و”كيا” و”بيجو” وغيرها.
تظهر في مسافة الطريق بنايات جميلة مصقولة تقف قرب أخرى متهالكة، غرافيتي على الجدران، شوارع واسعة أكثر مما تحتاج خالية في أغلبها من الزحمة المرورية، سيارات فارهة وأخرى متواضعة، وأشغال هنا وهناك، حتى إن الترام لم يتوقف في محطة المدينة القديمة. نزل كل من كان معي في المحطة التي قبلها ولم أنتبه.
سألتُ شاباً، فقال لي: “إنها الأشغال، انزل في المحطة الموالية وسر!”.
في المدينة القديمة، دخلتُ خلف مجموعةٍ من السياح الآسيويين، هادئين ومنظمين كعادتهم. الأزقة شبه فارغة، انتبهتُ لتيجان ذهبية مرسومة على الأرض؛ قرأتُ أنها إشارات “طريق التتويج” حين كانت “بريسبرغ” عاصمةً للمجر، يعبر بها الملوك.
إنه عامل نظافة المجاري، صُنع التمثال سنة 1997، أي أنه حديث نسبياً، لكن الناس خلقوا حوله أسطورة، كأن كل تمثال يحتاج دائماً إلى قصة تبرر وجوده؛ وقد قيل – وفق رواية غير دقيقة – إنه ظل ينتظر امرأة لم تأتِ، وإنها تخلت عنه حين عرفت مهنته، فبقي في وضع انتظارٍ أبدي.
يلمس السياح قبعته طلباً للحظ، وربما لأنهم يحبون فكرة أن مدينةً كاملةً اختارت أن تضع أشهر رموزها في فتحة بالوعة، لا فوق حصانٍ برونزي.
وسرعان ما بدت لي براتيسلافا بمرور الوقت أرخص بكثير من فيينا؛ قهوة، ومشتريات صغيرة بأقل سعر، لكن رفوف المتاجر كانت أقل تنوعاً، والخيارات أضيق.
من هناك سرتُ نحو الدانوب، النهر الأوروبي الطويل الذي يعبر بعشر دول، منها أربع عواصم. هنا، في براتيسلافا، بدا أقل هيبة وجمالا، لأنه محصور بين الجسور والعمارات، كأن المدينة لم تمنحه مساحة ليتنفس.
لكن براتيسلافا وجدت طريقتها في تحويل النهر إلى مشهد. عند جسر SNP يرتفع برج “UFO”، تدفع تذكرة تقارب 12.50 يورو، ثم يصعد بك المصعد إلى القمة في 45 ثانية. من هناك ترى المدينة دفعة واحدة: الدانوب، الجسور، قلعة براتيسلافا، أسطح البلدة القديمة، وعمارات ضخمة على الضفة الأخرى. وفي يوم صافٍ، يمكن أن تمتد الرؤية حتى حدود النمسا والمجر. وفي المطعم، يكفي أن تتناول طبقاً رئيسياً حتى تلغى قيمة الدخول.
من أبرز هذه المحطات مبنى الإذاعة السلوفاكية، ذلك “الهرم المقلوب” الغريب، كأنه بُني ليتحدى المنطق البصري للمدينة. وهناك أيضاً بيترزالكا، على الضفة الأخرى من الدانوب: بحر من العمارات الإسمنتية الجاهزة، كان واحداً من أكبر مشاريع السكن الاشتراكي في وسط أوروبا، ثم خففت الألوان والتحسينات قسوته بألوان جديدة ومساحات أكثر خضرة. وتظهر في هذه الرحلات أيضاً قاعة السوق القديمة من سوق قديم إلى فضاء مهمل، ثم إلى مركز جديد للطعام والثقافة والحياة العامة يتجاوز حقبة قديمة حين كانت هناك طوابير وندرة ومواد غذائية شحيحة.
تتبنى سلوفاكيا سياسة هجرة انتقائية واضحة. فهي بلد صغير، محافظ، شديد الحرص على تماسكه الداخلي وتجانسه الثقافي، ولا يريد أن يتحول إلى بلد هجرة مفتوح؛ فهي تفتح أبوابها للأوكرانيين الذين فرضت الأوضاع الراهنة حضورهم الواضح، ولعمالةٍ وافدة من صربيا وجورجيا وحتى فيتنام، لكنها ترفض القادمين من الشرق الأوسط وأفغانستان وشمال إفريقيا. المفارقة هنا ليست فقط في هذه الانتقائية، بل في أن هذا التشدد يصدر عن حكومةٍ تميل سياسياً إلى موسكو، بل ويصل بها الأمر إلى حد رفض سياسات الهجرة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، الذي يلزم باستقبال طالبي اللجؤء أو الدفع.
لكن، هذا الموقف الحازم يصطدم بمشكلة، تقع سلوفاكيا جغرافيا في قلب مسارات عبورٍ قسرية؛ فالمهاجرون غير النظاميين لا يرون فيها وجهة، بل ‘منطقة عبور فقط’ نحو ألمانيا. هنا تتحول تضاريس البلاد الوعرة خاصة جبالها إلى ممراتٍ لمختلف الشبكات، لتجد براتيسلافا نفسها في مأزق: هي لا تريد المهاجرين، لكنها عاجزة عن إغلاق حدودها بالصرامة التي يطالبها بها جيرانها. هذا ‘الثقب’ في جدار شينغن يضعها في صدام مستمر خصوصا مع بولندا، ويحولها في نظر جاراتها كالتشيك والنمسا إلى ‘حلقة رخوة’ في أمن القارة.
وحسب استطلاعات الرأي فإن جزءًا واسعاً من الرأي العام السلوفاكي نفسه ينظر إلى المهاجرين بريبة، ومع ذلك، تبرز مفارقة في المشهد: فالناس هنا متعاونون إلى حدٍّ كبير؛ فقد ساعدني شابٌّ بشكل ودي، ولم تتركني سيدة حتى اطمأنت تماماً إلى أنني استقليت الحافلة الصحيحة باتجاه محطة العودة. في المقابل، ثمة محاولات احتيال منظمة تستهدف السياح، من بينها أصحاب سيارات الأجرة المرابطون قرب مواقف الحافلات؛ وهو خطرٌ يحذر منه السلوفاكيون أنفسهم.
هذا الرفض، الممزوج بالخوف من المجهول، جعل سلوفاكيا العيش فيها تحديا صعبا، يضعك في مواجهة مجتمع يفتقر تاريخياً إلى ثقافة التعددية الواسعة والتقبل، ولغة من أصعب لغات أوروبا، ورواتب لا تغري من يبحث عن فرص حقيقية. وهكذا، يرحل المهاجر بصمت نحو ألمانيا أو الدول الاسكندنافية، تاركاً خلفه بلداً صغيراً نجح في بناء جدار عازل بين نموذجه الاجتماعي ورياح التغيير التي تفرضها الهجرة العالمية.
ويقع السائح دوما في الخطأ: يظن أن براتيسلافا هي سلوفاكيا. هي ليست كذلك. العاصمة واجهة غربية صغيرة، معلّقة على حافة فيينا، مدعومة بالدانوب واليورو والحدود المفتوحة. لكن كلما اتجهت شرقاً، ظهر بلد آخر: أبطأ، أفقر، أكثر ريفية، وأبعد عن أوروبا الجميلة التي يراها السائح. لهذا يغادر أبناء هذه المناطق نحو التشيك للعمل، وبدرجة أقل النمسا أو ألمانيا؛ أما بريطانيا فقد ظلت لسنوات حلماً لكثيرين قبل أن تتغير قواعدها.
إن كان وقتك في فيينا قصيراً، فابقَ في فيينا. أما إن كان لديك يوم زائد، فاذهب إلى براتيسلافا؛ بلد عاش الشيوعية أربعين عاماً، وفجأة تحول إلى الاقتصاد الحر، دخلت سلوفاكيا في أزمة حادة بعدها وأغلقت مصانع الأسلحة والصناعات الثقيلة التي لم تعد تجد مشترياً، وظهرت البطالة، لكنها نجحت في جذب استثمارات ضخمة، خاصة في صناعة السيارات، وتحسن اقتصادها، وتخلص أو بالأحرى ما تزال تتخلص، من إرث تلك الحقبة، لم تصبح أغنى من تشيكيا، لكنها تحاول رغم تقوقعها الشديد حول نفسها.
هناك، جلست في مطعم لبناني آكل شاورمة أعدّتها امرأة شامية محجبة. شاركني الطاولة يمني، ثم التحق بنا ألماني طلب مني أن أرشّح له طبقاً عربياً، “بشرط أن يكون شهياً”.
وسط هذا التنوع، شعرتُ بألفة مفاجئة. بدت فيينا أوسع من مجرد مدينة جميلة؛ مدينة تتنفس رحابة، وتمنح الغريب فرصة، عندها فقط، تذكرتُ براتيسلافا، فأدركت فجأة أنني كنت غريباً في سلوفاكيا، مع أنني لم أقضِ فيها سوى ساعات قليلة!
شارك رأيك
أضف تعليقاً


