مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

الحشّاشون الجدد ..

محمد يعقوبي
11 سبتمبر 2026
تاريخ النشر
5 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬
يبدو أن ثمة خيطًا ناظمًا بين الإمارات وتاريخ الحشّاشين، يثير تساؤلات جوهرية عن جذور عقائدية أو عرقية مشتركة، وعن ذهنية سياسية واحدة تجعل المناورة والالتفاف والتخريب أدواتٍ للصراع، بدل المواجهة المباشرة وشرف الخصومة.
ارتبط اسم الحشّاشين (1090م/1273م) في التاريخ بأسلوب يقوم على الالتفاف حول الهدف بدل مواجهته مباشرة، التسلل إلى محيطه، الترقب، التخفي، الاستعانة بالوكلاء والخونة واستغلال الثغرات للوصول إليه، اللعب على تناقضاته، ثم ضربه في اللحظة التي يكون فيها أقل قدرة على التركيز والدفاع. فلم تكن قوة الحشاشين في خوض مواجهة مفتوحة مع خصم يفوقهم قوةً وعُدَّةً وعَدَدًا، وإنما في تحويل المواجهة إلى غارات واختراقات سرية تقوم على الإرباك والمباغتة والفتنة والضرب من الداخل بالاستعانة بالعملاء.
ولهذا التصق بالحشاشين في الذاكرة الشعبية وصف الغدر والجبن معًا، ويقول بعض رواة التاريخ أنهم حينما كانوا ينهزمون في معركة يهربون ويتركون نساءهم وأطفالهم لعدوهم !باعتبار أن حربهم لم تكن يوما في وضح النهار، بل على النيل من الهدف وانهاكه بعد الالتفاف حوله والتوغل في محيطه وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض عليه.
وهكذا اختُزل أسلوب الحشاشين عبر التاريخ في قاعدة بسيطة، إذا كان خصمك أقوى منك فلا تواجهه، اقترب منه، التفّ حوله، اخترق دائرته، جنّد خَوَنَته، وانتظر اللحظة التي يصبح فيها مكشوفًا. ولهذا أصبح اسم الحشّاشين رمزًا للضرب في الظهر والغدر، لا لمواجهة الفرسان وجهًا لوجه.
وكذلك الإمارات اليوم، لا تستطيع مواجهة خصومها وجهًا لوجه كما يفعل الفرسان، إنها اختصاص اللسع كما العقرب ونفث السم كما الأفعى، واختصاص الطعن في الظهر، كما فعل ويفعل الحشاشون عبر تاريخهم الأسود.
تفضّل الإمارات الضرب تحت الحزام، النفط والمال بدل الجيوش(في بلد جيشه من جنسيات متعددة)، الوكلاء والخونة بدل الجنود، الميليشيات بدل المؤسسات، والتشويه والتضليل بدل المواجهة الدبلوماسية المباشرة.
تستخدم الإمارات ثروتها الهائلة لا لبناء نفوذ طبيعي يقوم على المصالح المتبادلة بين الدول، وإنما لتحويل المال إلى أداة نفوذ وسيطرة واخضاع، والسلاح إلى أداة ابتزاز، والجيوب الإعلامية من بيادق ومؤثرين وذباب إلى سلاح للتزوير وزرع الشك والفتنة، ورهانها الأساسي اللعب على الاختلافات والفوارق وتحويلها إلى مداخل لاختراق الدول.
ولأن يدها ملطخة بالدماء في السودان واليمن وليبيا والساحل الأفريقي، تعتقد الإمارات واهمة، أن ما فعلته من دمار وخراب وفتن في هذه الدول الشقيقة يمكن أن يتكرر أو ينجح في الجزائر بنفس الأساليب للوصول إلى نفس النتيجة، وهي السيطرة والهيمنة ثم دفع الجزائر دفعا الى الانضمام لقطيع التطبيع والدخول إلى « بيت إبراهام »! أو هكذا كان الإماراتيون يعتقدون ويمنون النفس للي ذراع الجزائر وإجبارها على الخضوع.
الجزائر لم تنم ثم استيقظت صباحًا لتقرر قطع العلاقات مع الإمارات، بل كانت قد تحملت تراكمات استفزازية وعدوانية خطيرة من الإمارات عبر السنوات الأخيرة في استهداف للجزائر، من أخطرها العبث بأمن الحدود ودعم وتمويل الإرهاب وزعزعة استقرار دول الجوار، وتسهيل عبور وتنقل السلاح والميليشيات على حدود كل دول الساحل، ما يضر مباشرة بالأمن القومي للجزائر الذي لا يمكن أن يكتمل إلا بأمن واستقرار دول الجوار.
ولعل توقيت قطع العلاقات يعطي إشارات قوية على احتمال ضلوع الإمارات في الكثير من المؤامرات التي تتصدى لها الجزائر داخليا باستمرار، خاصة في هذه الصائفة وفي مقدمتها الإطاحة بشبكات خطيرة للمخدرات وحجز كميات مهولة كانت ستهلك أجيالاً من الشباب، وأيضًا حرائق الغابات التي خرجت عن الاعتبارات الطبيعية وكشفت تورط أيادٍ داخلية وخارجية في محاولة لزعزعة البلد بكل الوسائل. ومصلحة الإمارات في ذلك تبدو واضحة، إخضاع الجزائر واستباحة اقتصادها وخيراتها، وتكميم لسانها وتكبيل ارادتها في نصرة القضايا العادلة في العالم وعلى رأسها فلسطين والصحراء الغربية.
لقد فعلت الإمارات بالسودان الأفاعيل لأنها لم ترضخ لإملاءاتها السياسية والاقتصادية، فمزقت البلد إلى مشاريع عرقية ومذهبية، وكانت سببًا في مقتل على الأقل 59 ألف سوداني بسلاح إماراتي كان يُسرّب سرا وعلانية إلى ميليشيات قوات الدعم السريع أملاً في تنصيب قائدها المسمى محمد (حميدتي) رئيسًا على السودان بالوكالة عمن سلحوه ومولوه، ليقود السودانيين إلى قطيع المطبعين.
لكن بيقظة السودانيين وقفت السودان في وجه هذا الشر المستطير، في انتظار أن يتعافى السودان نهائيًا من هذا السرطان الذي تسلل إلى كيانه بطريقة خبيثة.
وبالطريقة نفسها دمرت الإمارات اليمن السعيد وجعلته يجثو على ركبتيه، اختبأت في البداية خلف التحالف الخليجي لمحاربة الحوثيين، ثم شرعت في محاربة النفوذ السعودي في اليمن، فخلقت لنفسها ميليشيات موالية لها وفتحت سجونًا إماراتية لليمنيين، وكادت تدفن بلد الحضارة في برك من الدم، لولا التهديد السعودي الذي أجبر الإمارات على سحب قواتها في وقت قياسي، تاركة خلفها جرائم وخرابًا لبلد عظيم وحقدًا يمنيًا قد لا تمحوه السنوات.
أما في ليبيا فقد كان التدخل أكثر فحشًا ووضوحًا، إذ سلحت الإمارات ومولت وتبنت معسكر خليفة حفتر وساعدته في تقسيم ليبيا إلى شرق وغرب، وأغدقت عليه المليارات ليحارب حكومة طرابلس وحتى لينافسها في شراء ذمم بعض الليبيين بمشاريع وهمية وناطحات سحاب لا تشبه الليبيين في شيء، وجندت الإمارات التيار المدخلي لتغليف تلك الجرائم دينيًا وجعلت الحكم عائليًا ملكيًا وراثيًا في بنغازي بعد أن كانت قطعة أساسية في النسيج الليبي الواحد. وتتربص الإمارات بطرابلس في مشروعها الوهمي لتنصيب حفتر وأبنائه على رأس ليبيا عمر المختار، ومن ثم جرّها جرًّا هي الاخرى إلى « البيت الإبراهيمي » وقطيع التطبيع. وهو ما لا يمكن أن تقبل به عشائر الشهامة والشرف في ليبيا.
وفي الساحل، سجل جرائم الإمارات لا ينتهي، وآخرها تمويل الإمارات للتنظيمات المسلحة من خلال « جماعة نصرة الإسلام والمسلمين » التابعة للقاعدة بخمسين مليون دولار كفدية مقابل إطلاق سراح رهائن من بينهم رعية إماراتي، في سابقة خطيرة تهدد أمن دول الساحل وتطيل عمر الإرهاب وتعطيه المزيد من القوة للقتل والتهديد.
لا تريد الجزائر حربًا مع أحد ولكنها تستميت في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وهي عقيدة تحميها حتى الشرعية الدولية. بدليل حرص الجزائر على عودة المياه إلى مجاريها مع مالي والنيجر وكل دولة الساحل، وهذه طريقة الجزائر في العيش المشترك مع محيطها الطبيعي. غير أن حربًا متعددة الأسلحة مع كيان باطني مثل الإمارات تحتاج إلى المزيد من اليقظة على مستوى الجبهة الداخلية، وإلى استنفار حقيقي على مستوى النخب والإعلام ورواد التواصل الاجتماعي، فرصاص وسلاح هذه الحرب لم ولن يكون له صوت .. سيتجلى في قنوات وصفحات التضليل والتزوير والتشويه ومحاولات العبث بمعنويات الجزائريين من خلال الأموال التي تُضَخّ يوميا في الإعلام الثقيل وفي اللجان الإلكترونية التي ستعمل على تجنيد الكثير من الأبواق من مختلف البلدان العربية، في حرب قد تُستعمل فيها كل الأسلحة إلا السلاح.
وكذلك كانت سيرة الحشاشين.
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً