مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  الجزائر

 قراءة في كتاب : عشت الأسوأ والأفضل » (J’ai vécu le pire et le meilleur) 

حميدة لعياشي
14 أوت 2026
تاريخ النشر
5 دقائق
وقت القراءة
3 قراءة
عدد القراءات
1
💬
هذا هو محمد سعيد معزوزي؟ (1924–2016)
 الحلقة الأولى
وُلد بولاية الجزائر، وتلقى تعليمه على يد الشيخ (حمزة بوكوشة أحد مؤسسي جمعية العلماء) في المدرسة الحرة بمدينة دلس. كان مناضلًا في حزب الشعب، واتُهم بالمشاركة في اغتيال الباشاغا آيت علي بتڤزرت، فقضى نحو سبعة عشر عامًا في السجن ابتداءً من عام 1945، ولم يُطلق سراحه إلا بعد الاستقلال.
تولى منصب والي تيزي وزو عام 1966، ثم أصبح وزيرًا في حكومة بومدين، حيث شغل حقيبة العمل والشؤون الاجتماعية، وبعدها وزارة المجاهدين.
 1- محمد سعيد معزوزي وهواري بومدين
يحكي محمد سعيد معزوزي أن شريف بلقاسم، أحد أعضاء مجلس الثورة الذي كان يرأسه العقيد هواري بومدين، استدعاه ذات يوم عام 1966 وكلفه بمهمة إلى تيزي وزو، تقضي بمعاينة الأوضاع فيها، والوقوف على مواطن القوة، وما يحتاج إلى تقويم وتطوير.
عاد معزوزي من مهمته وقدّم تقريرًا مفصّلًا عرض فيه ما رآه إيجابيًا، وما استوجب إصلاحًا أو تحسينًا. وبعد فترة وجيزة، تلقى دعوة من الرئيس هواري بومدين، فسأله عن أحواله، ثم خاطبه بنبرة فيها شيء من العتاب:
«وأنت؟! أتبقى هكذا دون أن تقوم بأمر مهم؟»
أجابه معزوزي بهدوء: «هكذا هي الأيام، يومٌ لك ويومٌ عليك».
لكن بومدين لم يكتفِ بالسؤال، بل اقترح عليه، خلال النقاش، تولي مسؤولية ولاية تيزي وزو. فوجئ معزوزي بالاقتراح واعتذر، مبررًا موقفه بأنه ليس رجل إدارة، وأن تجربته لا تؤهله لمثل هذه المسؤولية. حاول بومدين إقناعه، لكنه لم يفلح في البداية.
وبعد مدة، عاد بومدين للاتصال به وجدّد اقتراحه، محاولًا إقناعه بقبول المهمة. ويشير معزوزي، في شهادته، إلى أن بومدين كان يختلف عن بن بلة في طريقة تعامله مع من حوله؛ إذ كان يحترم آراء الآخرين، ولا يسعى لفرض رأيه بالقوة، بل يترك مجالًا للنقاش والاقتناع.
وفي نهاية المطاف، اقتنع معزوزي، الذي كان حتى ذلك الوقت مراقبًا للأوضاع من الخارج، بفكرة بومدين، فوافق على الانتقال إلى تيزي وزو وتولي مسؤولية الولاية. لكنه طلب مهلة ليختار فريقًا من المعاونين ذوي الكفاءة، ممن يعينونه على أداء مهمته وإنجاحها، فوافق بومدين على طلبه.
انتقل معزوزي إلى تيزي وزو، وظل واليًا عليها عامين، استطاع خلالهما تحقيق عدد من الإنجازات التي اعتبرها مهمة في مساره الإداري والسياسي. وبعد انتهاء هذه التجربة، عاد بومدين للاتصال به مجددًا، لكن هذه المرة باقتراح أكبر: الالتحاق بالحكومة وتولي مسؤولية وزارية.
وهكذا، لم يكن انتقال معزوزي إلى الإدارة نتيجة مسار إداري تقليدي، بل جاء في سياق تجربة سياسية بدأت بمهمة استطلاعية بسيطة، ثم تحولت، بفضل ما لاحظه بومدين من قدراته وطريقة تفكيره، إلى مسؤولية على رأس ولاية تيزي وزو، قبل أن تفتح له الطريق نحو الحكومة.
 2 – بومدين واختيار رجالهمعزوزي مثالًا
تكشف شهادة محمد سعيد معزوزي، في جانب منها، عن طريقة خاصة كان هواري بومدين يعتمدها في اكتشاف الكفاءات واختيار المسؤولين. فلم يكن التعيين، كما توحي هذه الشهادة، يتم دائمًا عبر مسار إداري واضح أو وفق تراتبية بيروقراطية جاهزة، بل كان يمكن أن يبدأ بمهمة محدودة تكشف للرجل السياسي طريقة تفكير الشخص وقدرته على الملاحظة والتحليل وتقديم الحلول.
كانت مهمة معزوزي في تيزي وزو، في ظاهرها، استطلاعية: معاينة الأوضاع، وتحديد الإيجابيات وما يحتاج إلى إصلاح، ثم العودة بتقرير. لكن بومدين لم ينظر إلى التقرير باعتباره مجرد وثيقة إدارية، بل بدا أنه اهتم قبل كل شيء بصاحبه، وبالطريقة التي نظر بها إلى الواقع المحلي.
ومن هنا جاء اقتراحه لمعزوزي بتولي مسؤولية الولاية.
تكمن أهمية هذه الواقعة في أن معزوزي، بحسب شهادته، لم يكن يسعى إلى منصب، بل كان مترددًا أصلًا في قبوله. فقد اعتذر لبومدين بحجة أنه ليس رجل إدارة، ولم يقتنع بسهولة بأن الانتقال من موقع المراقب والناقد إلى موقع المسؤول التنفيذي يمكن أن يكون مناسبًا له. لكن بومدين عاد إليه أكثر من مرة، وكأنه كان يرى فيه شيئًا لم يكن معزوزي نفسه يراه في تلك اللحظة.
وهنا تظهر إحدى سمات بومدين التي يشدد عليها معزوزي في شهادته: القدرة على الإقناع بدل فرض القرار. فهو يقارن، بصورة مباشرة أو ضمنية، بين أسلوب بومدين وأسلوب أحمد بن بلة، ويؤكد أن بومدين كان أكثر استعدادًا للاستماع إلى رأي محاوره واحترام موقفه، حتى عندما يكون هذا الموقف مخالفًا لما يريده.
ولعل موافقة بومدين على شرط معزوزي، المتمثل في منحه مهلة لاختيار معاونين من ذوي الكفاءة، تكشف بدورها عن طبيعة العلاقة التي أراد إقامتها مع المسؤولين الذين اختارهم. فلم يكن المطلوب من معزوزي أن يكون مجرد منفذ لتعليمات تأتيه من العاصمة، بل أن يمتلك هامشًا من الحركة، وأن يبني فريقًا يعينه على إدارة الولاية.
وهذا التفصيل مهم لفهم تجربة معزوزي في تيزي وزو؛ فقد دخل الولاية لا بوصفه موظفًا إداريًا تقليديًا، وإنما بوصفه رجلًا اختبره بومدين أولًا في قدرته على قراءة الواقع، ثم دفعه إلى الانتقال من موقع الملاحظ إلى موقع الفاعل.
بعد عامين من توليه الولاية، عاد بومدين للاتصال به، وهذه المرة لم يكن الاقتراح متعلقًا بولاية أو منطقة، وإنما بالحكومة. وهنا يمكن قراءة مسار معزوزي باعتباره نموذجًا لطريقة بناء النخبة الإدارية والسياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال: الملاحظة، ثم الاختبار، ثم المسؤولية، ثم الترقية إلى مستوى أعلى من القرار.
وبصرف النظر عن مدى دقة كل تفاصيل هذه الشهادة أو الحاجة إلى مقارنتها بمصادر أخرى، فإن قيمتها التاريخية تكمن في أنها تقدم صورة من الداخل عن علاقة بومدين ببعض رجاله، وعن الطريقة التي كان ينظر بها إلى الكفاءة. فالرجل الذي لا يطلب المنصب قد يكون، في نظر السلطة، أكثر قابلية لتحمل مسؤوليته ممن يسعى إليه.
ومن هذه الزاوية، تصبح قصة معزوزي في تيزي وزو أكثر من مجرد حكاية تعيين والٍ؛ إنها تكشف عن لحظة من لحظات تشكل الدولة الجزائرية الجديدة، حين كانت السلطة تبحث عن رجال قادرين على الانتقال من الثورة إلى الإدارة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية الإنجاز.
 مذكرات الوزير الأسبق محمد السعيد معزوزي
 حررها: لحسن موساوي
 منشورات القصبة

شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً