الحلقة الثانية
رجل من زمن التأسيس
قضى محمد سعيد معزوزي سبعة عشر عاماً في سجون الاستعمار الفرنسي، ليكون بعد الاستقلال أحد رجالات الدولة الذين صاغوا ملامح الجزائر الجديدة. عيّنه هواري بومدين وزيراً في حكومته، وتقلّد حقائب وزارية عدة، إلى أن استقر به المقام في وزارة المجاهدين. ومع وصول الشاذلي بن جديد إلى سدة الحكم، واصل معزوزي مساره السياسي، متبوئاً مواقع متقدمة داخل حزب جبهة التحرير الوطني: عضواً في المكتب السياسي، وعضواً في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية. لكنه سرعان ما ابتعد عن فريق بن جديد، ليغادر عالم السياسة متفرغاً لعائلته وأبنائه وأحفاده، بعيداً عن أضواء السلطة وصراعاتها.
في مذكراته، يعود معزوزي إلى تجربته الطويلة، مستعرضاً سنوات سجنه إبان الاحتلال، وقربه من قادة جبهة التحرير، ثم تجربته في الحكومة، التي انتهت مع مطلع التسعينيات، مخلفاً وراءه شهادة نادرة على مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر.
الثمانينيات: عشرية الانحراف
في حلقتنا الثانية من قراءة مذكرات محمد سعيد معزوزي، رحمه الله، نقف عند الفصل الأكثر إثارة: مرحلة الشاذلي بن جديد، بطبيعة حكمه، ورجاله، وسياساته. وما يثير الانتباه في شهادة معزوزي، أنه لا يقدم قراءة انفعالية أو تصفية حسابات سياسية، بل شهادة تتسم بالصدق والجرأة، وتدافع عن مواقف ظل متمسكاً بها طوال مساره، منذ أن كان والياً على تيزي وزو، ثم وزيراً في حكومة بومدين.
الشاذلي بن_جديد: الرجل الذي أخطأ معزوزي في تقديره
يحكي معزوزي أنه التقى الشاذلي بن جديد للمرة الأولى سنة 1973، خلال تشييع جنازة أحمد مدغري. لم يكن بن جديد شخصية لافتة حينها، لا في الأوساط السياسية ولا بين العامة. يشير معزوزي إلى أن بن جديد كان يدير المنطقة العسكرية الثانية بأسلوبه الخاص، لكن وجوده في مجلس الثورة لم يمنحه أي حضور سياسي بارز، ولم يكن طموحه ظاهراً، على خلاف غيره من الشخصيات التي اعتمد عليها بومدين بعد إزاحته أحمد بن بلة في 19 يونيو 1965.
لكن واقعة واحدة تركت أثراً عميقاً في نفس معزوزي. يروي أنه سمع بن جديد يقول في إحدى المناسبات: «ماذا لو توفي بومدين ونحن لم نقم مجلس الثورة، ولم نشكل مؤسسات تحمي وحدة البلاد في حالة وفاته وشغور المنصب؟». بدت هذه الكلمات جريئة وصائبة لمعزوزي، فاعتقد أنه أمام رجل حكيم يدرك أهمية المؤسسات ويدرك مخاطر الحكم الفردي الذي شهده عهد بن بلة.
لذلك، حين اقترحت المؤسسة العسكرية اسم الشاذلي لخلافة بومدين، رأى معزوزي فيه الرجل المسؤول القادر على الاحتكام إلى المؤسسات. لكن الأيام كشفت لمعزوزي أنه أخطأ في حكمه. فبن الجديد، وفق شهادته، تحول تدريجياً إلى رئيس بسلطات مطلقة، أحاط نفسه بمتملقين لا يعترضون، حتى حين كانت سياساتهم تنذر بما وصفه معزوزي بـ«الوبال» على مستقبل البلاد.
من دولة المؤسسات إلى رجال الظل
في شهادته، يتوقف معزوزي عند مظاهر الارتجال والفساد التي اتسعت خلال مرحلة بن جديد، وعند لامبالاة الرئيس بتجاوز المؤسسات. وهنا يبرز دور «رجال الظل» المحيطين بالرئاسة، وفي مقدمتهم الجنرال العربي بلخير، إلى جانب شخصيات أخرى تجاوز نفوذها أحياناً مؤسسات الدولة الرسمية.
كما يشير معزوزي إلى وزير التخطيط آنذاك، الذي أصبح لاحقاً وزيراً أول، ويربط بين السياسات الاقتصادية في تلك المرحلة وبين بداية تفكيك المنظومة الاقتصادية التي أقامها بومدين. لم تكن مجرد تغييرات تقنية، بل تحولاً أعمق في إدارة الدولة: ارتجال في القرار، تراجع دور المؤسسات، صعود النفوذ غير الرسمي، وغياب الرؤية المستقبلية.
موسكو: حين رأى معزوزي صورة الجزائر القادمة
يقدّم معزوزي شاهداً آخر من خلال مشاركته ممثلاً للجزائر في مؤتمر حزبي في موسكو. طلب منه مسؤول سوفياتي اختصار كلمته إلى ثلاث دقائق، فاعتبر ذلك انتقاصاً من مكانة الجزائر، واعتذر عن إلقائها، ما دفع السوفيات إلى التراجع.
لكن ما شغله حقاً خلال تلك الزيارة كان صورة الاتحاد السوفياتي نفسه: نظام فقد حيويته، غرق في البيروقراطية والجمود، وعجز عن التجديد. من هنا، انتقل معزوزي بالتفكير من المشهد السوفياتي إلى مستقبل الجزائر، خائفاً أن تسلك الطريق ذاته إذا استمرت تحت وطأة بيروقراطية الحزب وهيمنة مسؤولين بلا رؤية.
كان يرى أن محدودية الشاذلي بن جديد السياسية، وعجزه عن بناء حكم رشيد، قد يدفعان الجزائر إلى مصير يشبه مصير الدولة السوفياتية العجوز.
الثمانينيات: العشرية السوداء قبل أن تبدأ
تأخذ أحداث تيزي وزو، التي عُرفت لاحقاً بـ«الربيع البربري»، حيزاً مهماً في شهادة معزوزي. فهو يحمّل سياسات الشاذلي وفريقه مسؤولية كبيرة في تفجير الأزمة، معتبراً أن قصور النظر وغياب الحكمة السياسية حوّلا الأزمة إلى مواجهة مفتوحة بين السلطة والمجتمع.
وبناءً على ذلك، يقرأ معزوزي أحداث أكتوبر 1988 كنتيجة لمسار لم يبدأ في أكتوبر نفسه. فما حدث لم يكن مجرد انفجار مفاجئ، بل لحظة كشفت عمق أزمة راكمتها سنوات الثمانينيات: أزمة الاقتصاد، المؤسسات، النخب، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويذهب معزوزي إلى فكرة جريئة: العشرية السوداء لم تبدأ في التسعينيات، بل تشكلت جذورها خلال الثمانينيات، وما أتى بعدها لم يكن سوى نتيجة لتلك التراكمات. هذه الفكرة تحديداً تجعل مذكراته أكثر من شهادة شخصية، فهي محاولة لقراءة جذور الانفجار الجزائري قبل وقوعه، والبحث عن اللحظة التي انحرفت فيها الدولة عن مسارها
شهادة من قلب السلطة
لا تدّعي مذكرات معزوزي أنها الحقيقة النهائية عن مرحلة الشاذلي بن جديد، لكن قيمتها تنبع من كونها شهادة رجل عاش داخل صناعة القرار، ثم وجد نفسه شاهداً على تحول الدولة التي شارك في بنائها إلى دولة أخرى. إنها وثيقة تفتح سؤالاً أكبر: متى بدأت الجزائر تفقد مشروعها؟ وهل كانت العشرية السوداء وليدة التسعينيات، أم أن بذورها زرعت قبل ذلك بسنوات؟
شهادة تستحق القراءة باعتبار كاتب المذكرات شاهد تاريخي يضيء زوايا معتمة من تاريخنا المعاصر
شارك رأيك
أضف تعليقاً



