مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  في السياق

3300 كلم و4 ملايين طن سنويًا.. لماذا تراهن أوروبا على الجزائر في واحد من أكبر ممرات الهيدروجين؟

نقطة
2 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
7 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬

لا يبدو مشروع SoutH2 Corridor مجرد خط جديد لنقل الطاقة بين شمال إفريقيا وأوروبا، بل هو جزء من تصور أوسع لإعادة رسم خريطة الطاقة في البحر المتوسط خلال العقود المقبلة، في وقت تبحث فيه أوروبا عن مصادر جديدة للطاقة منخفضة الكربون، وتسعى الجزائر إلى الحفاظ على مكانتها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة الأوروبية بعد عصر الغاز.

يمتد الممر على مسافة تقارب 3300 كيلومتر، ويستهدف نقل أكثر من 4 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا من شمال إفريقيا باتجاه أوروبا، مرورًا بتونس وإيطاليا والنمسا وصولًا إلى ألمانيا. ووفق البيانات الرسمية للمشروع، يمكن لهذه القدرة أن تمثل أكثر من 40% من هدف الاتحاد الأوروبي لاستيراد الهيدروجين المتجدد ضمن خطة REPowerEU، وهو ما يكشف منذ البداية أن الأمر لا يتعلق بمشروع محدود، بل بممر طاقوي ذي أبعاد قارية.

الخطوة الجديدة التي احتضنتها الجزائر في الأول من أكتوبر 2026، من خلال توقيع الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا على إعلان سياسي جديد لدعم المشروع، تعكس انتقال SoutH2 تدريجيًا من مرحلة التصورات والتنسيق إلى مرحلة أكثر تقدمًا من الدعم الحكومي والمؤسساتي. لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما تم توقيعه، بل بما يجعل هذا المشروع مهمًا إلى هذا الحد، ولماذا تراهن أوروبا على شمال إفريقيا، ولماذا تبدو الجزائر تحديدًا في قلب هذه المعادلة.

مشروع بحجم احتياجات الصناعة الأوروبية

يقوم SoutH2 على فكرة إنشاء شريان ضخم للهيدروجين يربط مناطق الإنتاج في شمال إفريقيا بالمراكز الصناعية الكبرى في أوروبا. فالهيدروجين بات يُنظر إليه أوروبيًا باعتباره أحد الحلول الأساسية لتقليص الانبعاثات في قطاعات يصعب تحويلها بالكامل إلى الكهرباء، مثل صناعة الحديد والصلب والكيماويات والصناعات الثقيلة.

ولهذا لا ينتهي مسار المشروع عند جنوب أوروبا فقط، بل يمتد عبر إيطاليا والنمسا وصولًا إلى ألمانيا، أي إلى مناطق صناعية كبيرة من المتوقع أن تحتاج إلى كميات متزايدة من الهيدروجين منخفض الانبعاثات خلال السنوات والعقود المقبلة. هذا يعني أن المشروع لا يستهدف مجرد بيع منتج طاقوي جديد، بل بناء علاقة مباشرة بين مناطق الإنتاج في الجنوب ومناطق الاستهلاك الصناعي في الشمال.

وتكشف القدرة المستهدفة، التي تتجاوز 4 ملايين طن سنويًا، حجم الرهان الحقيقي. فالمشروع مصمم لكي يكون جزءًا أساسيًا من سوق الهيدروجين الأوروبية المستقبلية، وليس مجرد مشروع تجريبي محدود. كما أن أكثر من 65% من البنية التحتية المخطط استخدامها يمكن أن تعتمد على شبكات موجودة أصلًا بعد إعادة تهيئتها، ما يمنح المشروع أفضلية اقتصادية مهمة مقارنة ببناء ممر كامل من الصفر.

بهذا المعنى، يمكن لجزء من البنية التي خدمت عصر الغاز الطبيعي لعقود أن يتحول تدريجيًا إلى بنية تحتية تخدم عصر الهيدروجين، وهو ما يمنح المشروع بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إنشاء خطوط جديدة.

لماذا تحتاج أوروبا إلى هذا الممر؟

تحتاج أوروبا إلى SoutH2 لسببين رئيسيين: إزالة الكربون من صناعاتها، وتنويع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها. فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري، لكنه في المقابل يحتاج إلى مصادر طاقة بديلة قادرة على تلبية احتياجات قطاعات صناعية ضخمة لا يمكن تشغيلها بسهولة بالكهرباء فقط.

الهيدروجين المتجدد يدخل هنا باعتباره أحد الحلول الممكنة، لكن إنتاجه داخل أوروبا وحدها قد لا يكون كافيًا لتلبية كامل الطلب المتوقع، كما أن كلفته قد تكون أعلى في بعض المناطق بسبب محدودية المساحات أو الموارد المتجددة. لذلك أصبح استيراد الهيدروجين من مناطق قريبة وغنية بالطاقة الشمسية والرياح جزءًا من الرؤية الأوروبية المستقبلية.

وهنا تظهر أهمية شمال إفريقيا. فالمنطقة قريبة جغرافيًا من أوروبا، وتمتلك إمكانات كبيرة من الطاقة المتجددة، كما ترتبط أصلًا بالقارة الأوروبية عبر شبكات طاقوية موجودة. وهذا يجعل نقل الهيدروجين عبر الأنابيب أكثر واقعية مقارنة بمناطق إنتاج بعيدة تحتاج إلى شحنه بحرًا لمسافات طويلة.

كما أن أوروبا تبحث، منذ أزمات الطاقة الأخيرة، عن تنويع مسارات ومصادر الإمداد بدل الاعتماد المكثف على جهة واحدة. ومن هذه الزاوية، يمنح SoutH2 القارة محورًا جنوبيًا جديدًا للطاقة، يربطها مباشرة بشمال إفريقيا، ويضيف مسارًا استراتيجيًا إلى شبكة الطاقة الأوروبية المستقبلية.

لهذا تنظر المفوضية الأوروبية إلى Southern Hydrogen Corridor باعتباره أكثر من مجرد مشروع تجاري، إذ يدخل ضمن تصور أوسع لأمن الطاقة الأوروبي، وإزالة الكربون من الصناعة، وبناء شراكات طويلة الأمد مع بلدان الجوار الجنوبي.

لماذا الجزائر في قلب المشروع؟

الجزائر لا تدخل سباق الهيدروجين من نقطة البداية نفسها التي تنطلق منها دول أخرى، لأنها تمتلك مجموعة من المزايا المتراكمة التي تجعلها مرشحًا طبيعيًا للعب دور مهم في هذا السوق.

أول هذه المزايا يتمثل في الإمكانات الكبيرة للطاقة الشمسية. فإنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء المتجددة، والجزائر تمتلك مساحات صحراوية شاسعة وموارد شمسية مهمة يمكن، إذا تم استغلالها على نطاق واسع، أن توفر أساسًا لإنتاج الهيدروجين بكميات كبيرة.

الميزة الثانية هي الموقع الجغرافي. فالجزائر تقع مباشرة في الجهة المقابلة لأوروبا عبر البحر المتوسط، ما يقلل المسافات ويمنحها أفضلية في نقل الطاقة مقارنة بدول أبعد جغرافيًا. وفي سوق يعتمد كثيرًا على كلفة النقل والبنية التحتية، يصبح القرب من المستهلك عنصرًا حاسمًا.

أما الميزة الثالثة، وربما الأكثر أهمية، فهي أن الجزائر تمتلك أصلًا خبرة طويلة في إنتاج ونقل وتصدير الطاقة. فلديها بنية تحتية غازية واسعة، وخبرة تمتد لعقود في التعامل مع الأسواق الأوروبية، إلى جانب شركات كبرى مثل سوناطراك وسونلغاز وكفاءات تقنية وهندسية في قطاع الطاقة.

هذا الإرث يمكن أن يتحول إلى ميزة مباشرة في اقتصاد الهيدروجين. فبدل بناء كل شيء من الصفر، تستطيع الجزائر الاستفادة من جزء من البنية التحتية والخبرة والعلاقات التجارية التي طورتها خلال عصر الغاز، ثم توظيفها تدريجيًا في سوق جديدة.

لكن طموح الجزائر لا يتوقف عند تصدير الهيدروجين كمادة خام. فالاستراتيجية الوطنية للهيدروجين تتحدث عن بناء سلسلة صناعية كاملة تشمل إنتاج الكهرباء المتجددة، والتحليل الكهربائي، والهيدروجين ومشتقاته، والهندسة، والصيانة، والتجهيزات المرتبطة بهذه الصناعة.

وتطمح الجزائر، على المدى الطويل، إلى تغطية نحو 10% من احتياجات السوق الأوروبية من الهيدروجين بحلول 2040. ويبقى هذا هدفًا استراتيجيًا يتوقف تحقيقه على حجم الاستثمارات، وتطور الأسعار، وتوفر المشترين، والبنية التحتية، وقدرة البلاد على توسيع إنتاج الكهرباء المتجددة بسرعة كافية.

من عصر الغاز إلى عصر الهيدروجين

الأهمية الحقيقية لـSoutH2 بالنسبة إلى الجزائر لا تكمن فقط في الإيرادات التي قد يحققها المشروع مستقبلًا، بل في قدرته على مساعدة البلاد على الحفاظ على موقعها داخل الخريطة الطاقوية لأوروبا.

خلال العقود الماضية، بنت الجزائر جزءًا مهمًا من مكانتها الاقتصادية والجيوطاقوية على تصدير الغاز الطبيعي نحو أوروبا. لكن القارة الأوروبية تسير، على المدى الطويل، نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يطرح سؤالًا استراتيجيًا بالنسبة إلى الجزائر: ماذا سيحدث لمكانتها كمورد للطاقة عندما يبدأ الطلب الأوروبي على الغاز في التراجع؟

الهيدروجين يمكن أن يشكل جزءًا من الإجابة. فإذا نجحت الجزائر في تطوير قدرات كبيرة للإنتاج والتصدير، فإنها قد تتمكن من تحويل جزء من المزايا التي بنتها في عصر الغاز إلى مزايا في عصر جديد من الطاقة. الموقع نفسه سيبقى مهمًا، وشبكات النقل قد يعاد استخدام جزء منها، والخبرة التقنية والتجارية ستظل ذات قيمة، لكن المنتج الذي يعبر هذه الشبكات يمكن أن يتغير.

ومن هذه الزاوية، يمثل SoutH2 أكثر من مجرد مشروع أنبوب. إنه محاولة لبناء جسر بين نموذجين مختلفين للطاقة، نموذج اعتمد لعقود على الغاز الطبيعي، ونموذج جديد يقوم على الكهرباء المتجددة والهيدروجين منخفض الانبعاثات.

لكن الطريق لا يزال طويلًا. فالمشروع يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح، ومحطات التحليل الكهربائي، والمياه والتحلية، والتخزين والنقل، كما يحتاج إلى مشترين أوروبيين بعقود طويلة الأجل تضمن جدواه الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن ما يمنح المشروع ثقله هو أن عناصر المنظومة بدأت تتجمع تدريجيًا: الحكومات، الاتحاد الأوروبي، الشركات، مشغلو شبكات النقل، المنتجون، المشترون المحتملون والمؤسسات الدولية.

لهذا لا يبدو SoutH2 مجرد أنبوب بطول 3300 كيلومتر، بل مشروعًا يمكن أن يعيد ترتيب جزء من العلاقة الطاقوية بين إفريقيا وأوروبا.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن الرهان الأبعد يتمثل في الانتقال من دولة بنت قوتها الطاقوية على ما يوجد تحت أرضها من الغاز، إلى دولة تستثمر كذلك فيما تملكه فوق أرضها من شمس ومساحات وإمكانات متجددة.

المصادر

  • الموقع الرسمي SoutH2 Corridor 
  • Global Gateway 
  • الاستراتيجية الوطنية الجزائرية لتطوير الهيدروجين الصادرة عن وزارة الطاقة والطاقات المتجدد
  • وكالة الأنباء الجزائرية APS
  •  TSA Algérie 
  • وكالة الطاقة الدولية IEA
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً