مجلس الوزراء
طالع حكاياتنا حكايات عربية — اقرأ مجاناً الآن
✦  في السياق

الذكاء الاصطناعي.. والسؤال المرعب !

محمد يعقوبي
19 أكتوبر 2026
تاريخ النشر
4 دقائق
وقت القراءة
0 قراءة
عدد القراءات
💬
بينما لم يتجاوز بعضنا حدود كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وضوابط استغلاله، يخوض العالم المتطور هذه الأيام نقاشا محموما ومخيفا، حول تنامي المخاطر من فقدان السيطرة على بعض أنظمته. مع ضرورة الإنتباه والإقرار بأن جزء كبيرا من هذا الرعب التكنولوجي، مفتعل، بغرض ممارسة المزيد من الضغوط والابتزاز على العالم، ورهن مقدراته لقطب أو جهة بعينها.
لكن هذه المخاوف لم تعد مجرد سيناريوهات خيالية محتملة، فقد كشفت اختبارات أمنية غربية عن تصرفات غير مصرّح بها لوكلاء ذكاء اصطناعي ربما خرجوا أو كادوا، عن إرادة المطور، ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا مقلقًا، ماذا لو أصبحت هذه الأنظمة قادرة على تنفيذ ما لم يطلبه المطور منها، أو تجاوز ما وضعه لها من حدود؟.
ومع انتشار إشاعات وأخبار حول رفض بعض برامج الذكاء الاصطناعي في بريطانيا الاستجابة لاجراءات الصيانة الدورية تقنيا وامنيا وتغيير كلمات المرور للهروب من السيطرة، مع ذلك، أرجح أن يكون جزء كبير من هذا النقاش مفتعل، ويدخل في سياق خطة المطور نفسه لقياس مخاطر خروج بعض البرامج عن سيطرته. وهذا لا يلغي خطورة الوضع ولا رعب الاسئلة المطروحة.
كثير من المستخدمين عندنا يكتفون بطرح الأسئلة على الذكاء الاصطناعي وانتظار الأجوبة وربما هذا أقصى درجات الاستغلال عند أغلبنا، بينما انتقل العالم إلى مرحلة أكثر تعقيدا، عنوانها (الوكلاء الأذكياء). لم تعد المسألة مجرد محادثة مع برنامج، بل تطورت الى انتاج أنظمة تحكم تستطيع التخطيط، وتقسيم المهام، وتنظيم العمل واستخدام المتصفح، وكتابة البرامج، والتعامل مع الملفات وقواعد البيانات، وتنفيذ سلسلة من الإجراءات لتحقيق هدف معين، ما قد يؤهلها مستقبلا الى تعويض العقل البشري في تسيير الشركات من الألف الى الياء. كما باتت قادرة على إنتاج مشاهد تحاكي الشخصيات والأحداث التاريخية، وصناعة عوالم افتراضية يصعب أحيانًا تمييزها عن الواقع. واستنساخ عالم افتراضي موازي قد يتطور مستقبلا الى حد التطابق.
وانتقل السؤال المرعب لدى المطورين والخبراء من طرق الاستفادة وضوابطها إلى السؤال عن ماذا يحدث لو أننا نمنح هذه الأنظمة صلاحيات أوسع! ومن يضمن ألا يتحول خطأ بسيط في فهم التعليمات إلى سلسلة من القرارات الخاطئة التي تؤدي إلى الخروج عن السيطرة.!
وماذا لو فهم النظام التعليمات بطريقة خاطئة؟ ماذا لو اعتبر النظام إجراءً أمنيًا ما عقبة ينبغي تجاوزها؟ ماذا لو استغل ثغرة لم يتوقعها مطوروه؟ وفر من خلالها خارج المساءلة! وماذا لو كان الإنسان الذي يحاول إيقافه أبطأ من أن يتدارك النتائج المتسارعة؟.
حتما الخطر لا يكمن بالضرورة في آلة قد تستيقظ يومًا لتعلن تمردها على البشر، بل في أن تصبح قدرتها المتسارعة على التنفيذ أكبر من قدرة المطور على فهم ما تفعله والتحكم فيه. وتزداد خطورة الأمر عندما ترتبط هذه الأنظمة بالطاقة والاتصالات والأنظمة المالية والمعلوماتية و الحياة الخاصة للبشر، أين قد يتحول خطأ تقني صغير إلى أزمة واسعة، إذا غابت الرقابة والحماية والبدائل الجاهزة.
من المفيد أن الجامعة الجزائرية قد بدأت خطواتها مبكرا لمواكبة هذا التحول، من خلال استحداث تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومهن المستقبل. ضمن مستجدات الدخول الجامعي 2026-2027، حيث تم استحداث 13 تخصصًا جديدًا، إلى جانب هدف تكوين 50 ألف مختص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وهي خطوات مهمة تستحق الاشادة، شريطة أن يواكب ذلك ثورة حقيقية في تحديث المناهج، وتطوير مخابر البحث، وتشجيع الابتكار، وربط الجامعة بمؤسسات الاقتصاد الوطني. وفسح المجال أمام الاجيال الجديدة بما لديها من جاهزية لاستيعاب التحول التكنولوجي وقدرة على التطور والتعلم والتحكم في التقنيات المتسارعة.
لقد انتقل العالم من سباقات التسلح إلى صراعات النفوذ والسيطرة على الموارد منتصف القرن الماضي، وأصبحت التكنولوجيا اليوم إحدى أهم أدوات القوة. ولم يعد السؤال فقط، من يمتلك الذكاء الاصطناعي؟ بل أيضًا، من يحسن استغلاله وتوظيفه لمصلحته ومن يستطيع تطويره، ومن يملك القدرة على التحصين، ومن يستطيع حماية نفسه من مخاطره؟.
لهذا، ليس لنا من حل سوى الثقة في أجيالنا الصاعدة، في الشباب من أبنائنا الذين ولدوا وكبروا على تسارع التطور التكنولوجي بين أيديهم، بل أصبح جزء من تركيبتهم النفسية، وبعضهم تفوق قدراتهم التقنية حدود وامكانات الهياكل المتاحة، يجب تمكين هؤلاء الشباب في إطار منظم، من خوض هذا السباق في الجامعات ومخابر البحث وسوق العمل، وإطلاق العنان لمهاراتهم وفتح المجال أمام اختراعاتهم وشراكاتهم العلمية والتكنولوجية مع العالم. فقد لا نستطيع مجاراة الدول المتقدمة في كل مراحل هذا السباق، لكننا نستطيع أن نختار ألا نبقى على هامشه.
ففي عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي وتتراكم فيه الأسئلة المرعبة، قد يكون من الواجب إعادة تعريف السيادة الوطنية والأمن القومي بما يحفظ بلادنا من المخاطر التكنولوجية والرقمية، إذا أردنا أن نجد لأنفسنا موضع قدم في هذا العالم الرقمي المخيف، وقد لا تكون أكبر خسائرنا أن نتأخر عن الركب التكنولوجي، بقدر ما يجب أن نعبر نحو المستقبل ونحن نملك على الأقل أدوات حماية أنفسنا من مخاطره.
شارك المقال 𝕏 تويتر فيسبوك
شارك رأيك
أضف تعليقاً